Makhos 2

قبل ما يزيد عن العام قليلاً، غيّب الموت الدكتور إبراهيم ماخوس، المجاهد العربي السوري، والثوري الزاهد، الذي عرفتُه وأحببته، واستمعت إليه طويلاً في بيته في حي حيدرة في الجزائر العاصمة. وللأسف، لم أعلم برحيل ماخوس في العاشر من سبتمبر/أيلول 2013 إلا عندما أحيا محبوه وأصدقاؤه الذكرى السنوية الأولى لرحيله. فربما كنت يومها في سفر شغلني بعض الأيام عن المطالعة التفصيلية للتطورات، ففاتتني المشاركة في تكريمه ببعض سطور واجبة!

افتتنتُ بتجربة ماخوس التي قَلَّ نظيرها. رجل أوصلته دروب الأحلام والآمال، قبل نحو أربعين سنة، إلى الجزائر، طريداً ملاحقاً مطلوباً للرصاص، بعد انقلاب حافظ الأسد الغادر الذي سمّاه "الحركة التصحيحية" في السادس عشر من نوفمبر/تشرين الثاني 1970. لم يكن الراحل قد ارتكب جرماً، أو أطاح أية قيمة من قيم العمل الوطني والقومي العام، لكي يلاحقه الانقلابي الذي حشر الحزب في بطن الطائفة، فأثقل عليها. وماخوس من طائفته نفسها، لكنه كان طامحاً إلى مشروع قومي، يفرض نفسه في الفضاء الدولي الشاسع. كان، قبل الانقلاب، نائباً لرئيس مجلس الوزراء ووزيراً للخارجية في بلاده. وقد حطَّ الرحال في الجزائر من دون سواها، لأن له فيها رصيدا يؤهله لأن يعيش مرتاحاً يمضغ الكلام، وينام ويقوم على ذكريات وحكايات، شأن اللاجئين السياسيين. فهو مسجل لدى حزب جبهة التحرير الوطني مجاهداً في صفوفها إبان الثورة التحريرية، وللمجاهدين الجزائريين وزارة خاصة في الحكومة، تُعنى بحياتهم، وتوفر لهم المسكن وأكلاف العيش الكريم، فضلاً عن أنه وصل إلى الجزائر لاجئاً سياسياً. ولهؤلاء، أيضاً، حقوق ضيافتهم في البلاد. لكن إبراهيم ماخوس، الطبيب، شمّر عن ساعديه، والتحق بمستشفى مصطفى الشعبي في وسط العاصمة، فأصبح من الأطباء العاملين. وفي المستشفى المفتوح للناس جميعاً، التصق بالجماهير التي أحبها، وعمل في صمت، حتى أدركه سن التقاعد النظامي، فالتزم منزله!

كثيرة هي المفارقات في قصة ماخوس. لنا في أولها أن نجزم بأن أي نظام حكم، يجعل من المجاهدين والنبلاء، ومن نظيفي اليد والمثابرين المبدئيين، خصوماً له؛ سيكون قد افتتح عهداً حالك السواد في حياة البلاد والعباد. المفارقة، هنا، أن مجموعة الأطباء الستة، الذين توجهوا من سورية إلى الجزائر للالتحاق بالثورة، كانوا من المجاهدين بامتياز. في مقدمتهم نور الدين الأتاسي الذي كان رئيساً للدولة، وأطيح وزُج به في السجن، ومعه يوسف زعيّن الذي كان رئيساً للوزراء، وإبراهيم ماخوس نائبه ووزير الخارجية، وصفّوح الأتاسي، ابن عم نور الدين، وصلاح السيّد ورياض برمدا.

كان خط الالتحاق بالثورة الجزائرية، من نقطة الانطلاق إلى موضع العمل في الداخل الجزائري؛ ينم عن جماليات مفتقدة، الآن، في زمن الكوابيس. فعندما قرر الأطباء الشُبان الخمسة، الانضمام إلى جبهة التحرير الوطني في الجزائر؛ امتدحت الدولة التي على رأسها شكري القوتلي آنذاك، مسعاهم وأحسنت تهيئتهم، وكانت أصلاً تضع عبد الحميد مهري، ممثل "الجبهة" في الجزائر، في مكانة مرموقة. فلم يكن المتطوعون للنضال من أجل القضايا العادلة، في ذلك الزمن، ينسلّون انسلالاً، أو يسافرون متكتمين على مقاصدهم. حضر إلى دمشق العقيد الجزائري عمار أوعمران، مسؤول التنسيق العسكري في لجنة التنفيذ والتنسيق، للإشراف على سفر المجموعة، وبعد أن اجتمع بهم في فندق صغير، اصطحبهم إلى رئاسة الأركان السورية، ففتحت لهم هذه مخازن الصحة العسكرية، لكي يأخذوا ما يشاؤون. وقال إبراهيم ماخوس إنهم اهتبلوا الفرصة، فأخذوا كمية منتقاة وكبيرة من الأدوية، وغرفة عمليات رئيسية، وست غرف عمليات ميدانية قابلة للانتقال بسهولة، وأُبلغوا بالتزام الحكومة بتلبية طلباتهم أثناء عملهم مع الثورة.

 

كان السفر براً، وخط الرحلة، بين دمشق والتراب الجزائري، مفتوحاً رحباً. وصلوا بوثائق أصدرتها جبهة التحرير الوطني إلى القاهرة، ثم اتجهوا إلى الأراضي الليبية. وبوصولهم إلى طرابلس، استضافهم ممثل جبهة التحرير لتعريف ذائقتهم على الطعام الجزائري الذي لن يجدوا سواه في أرض المعركة. ثم وصلت مجموعة الأطباء الستة إلى تونس، ليجدوا هناك حضوراً جزائرياً كثيفاً، ذا حيثيات لم يكونوا يعرفون عنها شيئاً: فارون جزائريون من الجيش الفرنسي، لا يُعاد إلحاقهم بالجبهة في الداخل، قبل التأكد من ولائهم للثورة. وهؤلاء يقضون الوقت في مزيد من التدريب، وتُفرز منهم مجموعات استطلاع وإسناد، تؤدي مهماتٍ عبر الحدود. وهناك جرحى من المجاهدين، يحتاجون إلى الطبابة. كأنما أريد للأطباء الستة أن يؤدوا خدماتهم في مشفى الصادقية المركزي في العاصمة التونسية، يتلقون مع المرضى التونسيين جرحى جزائريين. اشتغل الأطباء السوريون الستة في ذلك المشفى، لكن المكان لم يُشفِ غليلهم، علماً أن سكنهم كان في قاعدة للجبهة، مع الدكتور التيجاني هدام مسؤول الصحة، وقد امتشق كل منهم لنفسه اسماً حركياً. فشوقهم الأساس، هو الوجود في الجزائر نفسها، وفي خضم المعركة. ألحوا في طلب الدخول على مسؤولي جبهة التحرير الذين كانوا يركزون على فترة "التكيّف"، وعلى خدمة لاجئين جزائريين، وقواعد لجيش التحرير الوطني. وبعد أن طالت المدة، أجروا حواراً مع "الجبهة" التي صارحتهم بخشيتها من وقوعهم في الأسر، واتخاذهم برهاناً على "التدخل الأجنبي". أصروا على الالتحاق بالخطوط الأمامية للثورة، وإن لم يتسن لهم ذلك سيعودون إلى دمشق، لأن بقاءهم في تونس يُفرغ مهمتهم من مضمونها الكفاحي، مثلما وصفوا الأمر بدافع حماستهم. اضطر الجزائريون إلى إعطائهم حلاً وسطاً، وهو تسليمهم ملابس الميدان، وإرسالهم إلى الجانب الجزائري من الشريط الحدودي، حيثما توجد القواعد الخلفية للولاية العسكرية الأولى في شرق البلاد، لكي يشعروا بأنهم في قلب معركة الجزائر، ومع مجاهديها في الداخل. ويؤرخ إبراهيم ماخوس ونور الدين الأتاسي وصولهما إلى مدينة تالة في المنطقة العسكرية الأولى، بشهر إعلان الوحدة بين مصر وسورية في فبراير/شباط 1958. ولأن ماخوس، بطبعه، يركز على ردود الأفعال العفوية للبسطاء، فلطالما روى أنه، والأتاسي، في يوم إعلان الوحدة، احتفلا بها مع المجاهدين الجزائريين في مقهى شعبي صغير ومنزوٍ في المدينة. وينقل عن أحد المجاهدين قوله فرحاً: لقد اقتربت الثورة الجزائرية من النصر بنسبة 50%.

في ذلك الخضم، لم يكن عمل ماخوس يقتصر على الطبابة، وإنما زاد عليها بتقديم أفكار ومقترحات ميدانية، فقد انغمس في الثورة الجزائرية بكل أحاسيسه، حتى انتصرت! في سنواته الأخيرة، بعد تقاعده طبيباً في الجزائر، كان مع يوسف زعين وآخرين، يعبرون عن آرائهم باسم مقاربة حزبية شخصية، أضافت إلى اسم "حزب البعث العربي الاشتراكي" كلمة "الديمقراطي". كأنما أرادت هذه المجموعة أن تقول كلمتها للتاريخ، وأن تطرح رأيها حتى الرمق الأخير.

أصدر ماخوس نشرة شهرية، ليس لها من عناصر الإصدار سوى أنها تصل إلى العدد القليل من قرائها. فلا توجد مطبعة ولا موزع أو شركة توزيع ولا حتى حاسوب. تُطبع على الآلة الراقنة وتصور، ويتولى عضو المجموعة، الضابط السابق محمود جديد، توزيعها بنفسه. ففي كل فعالية قومية لنصرة القضايا العربية في الجزائر، كنت تجد ماخوس ومحمود جديد (أبونضال).

لكن نظرة على واقع حياة الرجلين تعطيك انطباعاً على نمط هذا الطراز من المناضلين الزاهدين، واستقامتهم الأخلاقية وشاعريتهم. في الوقت نفسه، تعلم مدى قبح النظام الذي يخاصمونه، من خلال معاناتهم على الصعيد الإنساني. فلم تكن زوجة محمود جديد استطاعت الالتحاق به. هي شقيقة الراحل صلاح، الرجل القوي نظيف اليد، وصاحب الفضل على حافظ الأسد ورفيقه وابن طائفته وحزبه الذي لفظ أنفاسه الأخيرة في السجن بعد 23 سنة من الاعتقال. وعلى امتداد عشرات السنين، لم يستطع "رفيق" سابق لمحمود جديد، من مجموعة الأسد الذين أصبحوا مسؤولين، مساعدة زوجته على الخروج من سورية، وقال له عبد الحليم خدام، إن ملف الزوجة لدى "الرئيس"، وهذا الأخير يعاقب من لا يطيعه بكل الأوراق والوسائل.

كان الدكتور ماخوس رجلاً حالماً، ساعدته شفافية روحه وشاعريته على حُسن الأداء في الثورة الجزائرية، لكنه افتقد دهاء رجل الدولة، وما يلزمه من ثقافة المؤامرة. سقط دوره السياسي مع مجموعته، في الفجوة الفاصلة بين حقيقة النضال ومزاعمه، أو بين السياسي المتآمر والحزبي الملتزم. وشتان بين الداهية الذي يقترف أية جريمة لكي يحكم، والطبيب الحالم الذي يرقّ قلبه للصحيح وللمريض. لكن ماخوس، بالتقييم الموضوعي، عاش ومات رجلاً نبيلاً، ينتمي إلى زمن أجمل، مفعماً بأمنياتٍ ظل يراها قريبة التحقق.

 

(Source : https://www.alaraby.co.uk/)