aflaq

مشكلة فرنسا مع الجزائر أعمق مشكلة تعرضت لها فرنسا، وفضحت فيها، وعرف فيها ضعفها واسباب ضعفها، لان مشكلة الجزائر جاءت بعد انتهاء مشكلة الهند الصينية، فلو كان كيان فرنسا ما يزال يملك المقومات الايجابية لكان ينبغي ان تكون اقدر على حل مشكلة الجزائر، بعد ان ارتاحت من عبء الهند الصينية واستعمارها المرهق. ان مشكلة فرنسا مع الجزائر أضخم من مشكلتها مع الهند الصينية، وهي تثير أزمة أعمق وأوسع. ان فرنسا تنظر الى ارض الجزائر خاصة، والى ارض المغرب العربي عامة، على انها امتداد حيوي قريب لارضها، وان حرمانها من هذا الامتداد يهدد حياتها، اقتصاديا وعسكريا الخ.

ورغم ذلك نرى اكثرية الشعب الفرنسي تقف ضد سياسة الحكومات في تشبثها العنيد المصطنع باستعمار المغرب والجزائر، ومعنى هذا انه اصبح هناك تناقض واضح جدا بين مصلحتها القومية التي يمثلها الشعب ويعبر عنها، وبين وضعها الاجتماعي الذي تدافع عنه الحكومات لمصلحة فئات مستثمرة ليس للجزائر فحسب، بل للفرنسيين انفسهم ايضا. نستطيع ان نقول ان فرنسا منذ زمان، والآن خاصة، في حالة تفسخ، وقد يؤدي هذا الى ولادة شيء جديد، وقد لا يؤدي الى شيء من ذلك.

وقد ظهر هذا التفسخ في الحرب الاخيرة، وظهرت في مقابله بقايا الايجابية والحيوية في فرنسا، تمثلت في مقاومة الالمان. وقد ادركت العناصر الموجهة في حركة المقاومة عمق المشكلة التي تعانيها فرنسا، أدركت انها مشكلة أساسية تتناول النظام الاجتماعي كله، وحاولت أن تكون هذه المقاومة مناسبة لنهضة فرنسا على أسس جديدة. ولم تكن هذه العناصر كافية، كما ان العناصر الاخرى غير الثورية دخلت معها، وحدّت من عمق حركتها وشمولها فاقتصرت هذه الحركة آخر الامر على تحرير فرنسا من الاحتلال، وبقيت المشكلة الاساسية معلقة.

ومرة أخرى انتصرت فرنسا انتصارا كاذبا قائما على الغش (لقد كان انتصارها عام 1918 كاذبا، وكان عام 1944 أكذب، فقد قام على مساعدات أجنبية وعلى تغطية للمشاكل الاساسية). وطبيعي ان لا يحول هذا الانتصار المغشوش دون ازدياد المشاكل الداخلية والخارجية.

في بلد كفرنسا يملك هذه الحضارة وهذا الوعي، كل كلمة تقال، وكل موقف يتخذ، تكمن وراءه مصالح حيوية. فموقف احرار الفكر، الى جانب موقف الاحزاب اليسارية، الى جانب تظاهرات الشعب نفسه، ليست مجرد مثالية مجانية، وانما هي تعبر عن مصالح واقعية لهذا الشعب الفرنسي نفسه، وهذه المصالح نفسها تصرخ: يجب ان تستقل الجزائر وان تتخلص فرنسا من الاستعمار، فكأنهم لا يهبون الاستقلال للجزائر بل يطلبون تحررهم من عبء استعمارهم للجزائر، يطلبون التخلص من اوضاع ستؤدي بفرنسا الى الانحلال المحقق. والواقع يرينا ان هذه الفئات الاستعمارية المحصورة بالشركات الرأسمالية والطبقة الاقطاعيةتشتري الحكومات والصحافة والجيش نفسه وتتستر وراء الشرف القومي والكرامة الفرنسية والمصلحة القومية وهيبة فرنسا ومستقبلها ولكن هذا كله أصبح بالنسبة الى الشعب الفرنسي مفضوحا ولا يلقى لديه أي صدى.

ان مصالح الشعوب لا تتصادم، فمصلحة الشعب العربي في الجزائر والمغرب تتمشى مع مصلحة الشعب الفرنسي في التحرر من أوضاعه الجائرة. وفي هذا ضمانة لانتصار العرب في المغرب، لان كل امعان من قبل فرنسا في السياسة الاستعمارية، ان كان يوقع ضررا في عرب الجزائر، فهو يوقع في مصالح الشعب الفرنسي اضعاف هذا الضرر مما يؤدي الى ثورة الشعب الفرنسي.

على ان هذه الضمانة ليست بالوحيدة ولا هي الضمانة الأولى او الأهم، فالضمانة الاولى ايجابية لا سلبية، أي هي لا تأتي من ضعف العدو بل من قوة العرب أنفسهم ومن وعيهم لمصالحهم وتفتح امكانياتهم الهائلة التي ظلت خلال زمن طويل مكبوتة ثم حركها الظلم والاستثمار واخذت تتفجر في كل مكان من ارجاء الوطن العربي وتأتلف وتتناسق.

وينبغي ان نشير الى فروق اساسية بين المعركة التي يخوضها العرب في شتى أقطارهم في هذه المرحلة التاريخية، وبين العدوان الاستعماري وما يخفي وراءه وما يعبر عنه. فمعركة العرب معركة ايجابية بكل معنى الكلمة لانفسهم وللعالم، فبمقدار ما يتحررون يحررون العالم، وهي معركة صادقة تنبثق شعاراتها من صميم واقعها، وهي لذلك قوية بالنسبة الى العرب وبالنسبة الى الرأي العام العالمي لانه ليس فيها تزييف ونفاق، وهي معركة رابحة لانها تقوم على الشعب كله وتسير في اتجاه مصلحة الشعوب، شعوب العالم.

وهي اذن معركة انسانية، هي معركة الحضارة والقيم الانسانية والمستقبل، اما معركة الاستعمار فهي نقيض ذلك كله. ومعركة العرب معركة موحدة، توحد العرب انفسهم وتوحدهم مع التاريخ والعصر والشعوب، اما معركة الاستعمار فهي معركة مجزئة، تقسم البلد الاستعماري على نفسه، وتخلق اعمق الازمات بين فئات الشعب الواحد وتفضح تناقضات الوضع المؤدي الى الاستعمار وتعزل الدول الاستعمارية عن شعوب العالم واتجاه الحضارة. وهي كذلك معركة سلبية رغم هجومها الظاهر، فهي تهاجم لتدافع عن بقايا مصالح لم تعد تأتلف مع اتجاه العصر... وهي معركة قاضية، فشعوب الدول الاستعمارية تصبح يوما بعد يوم اقل تحمسا لهذا الحروب الاستعمارية، وهي تنسحب منها انسحابا متزايدا لتقتصر المعركة أخيرا على اصحابها الحقيقيين بدون قناع: الرأسماليين والمغامرين والمرتزقة الذين يستفيدون من الحروب، وعندما تصل الى هذا الحد، تكون قد وصلت الى نهايتها، لأن الحروب الاستعمارية لا تقوم على الاستعماريين وحدهم بل على قدرتهم على خداع شعوبهم، وعلى زجها في تلك الحروب.

ان حدا ادنى من الوعي كان ضروريا ليبدأ العرب نضالهم القومي التحرري ولكن هذا النضال نفسه كان باستمراره واتساعه وتوالده ينمي في الوقت نفسه ذلك الوعي الذي يولد النضال ويرفع مستواه ويكشف عنآفاق جديدة له. وان ما يطلب منا اليوم هو ان نعود فنرفع نضالنا الى مستوى الوعي الجديد الذي خلقه النضال.

لقد كنا قبل عشرات السنين لا نطمع في اكثر من رفع القيود عن انفسنا وعن وطننا معتبرين هذه المرحلة مرحلة سلبية، على هامش حياتنا وتاريخنا على هامش الحياة والتاريخ، منتظرين يوم التحرر الكامل ليدخلنا الى التاريخ.

واليوم ندرك اننا دخلنا التاريخ منذ بدأنا النضال، وان كل قيد حطمناه سواء من قيود الاستعمار أو قيود اوضاعنا، البالية المساعدة للاستعمار، كان في الوقت نفسه قيدا من قيود الانسانية يتحطم وحجرا من احجار المستقبل يرتفع. وان رسالتنا لم تعد ذلك الشيء البعيد الاجل الذي يبتدئ بعد الاستقلال وبعد الوحدة وبعد الثورة الداخلية، بل اننا اخذنا نحيا هذه الرسالة ونؤديها منذ اللحظة التي وعينا فيها انه يجب ان تكون لنا رسالة.

نحن اليوم في قلب التاريخ الانساني، نؤثر فيه اكثر مما نتأثر به، فبقدر ما نهدم من أوضاعنا الاستعمارية والاستثمارية، ونساهم في تحرير الشعوب المستعمرة لنا بقدر ما يكون نضالنا ضد الاستعمار صادقا وشاملا ومعبرا عن تجربتنا القومية التي هي تجربة الانسانية.

كانت عقيدتنا حافزا ومحركا، واليوم حان الوقت لتصبح منهاجا عمليا نعبئ اقصى امكانياتنا لتحقيقه في وعي تام لأهداف نضالنا القومي البناء، فهل قدّرنا الموضع الخطير لمعركة الجزائر من هذا النضال؟

عام 1956