aflaq 2

 ان ما حدث في لبنان منذ اسبوع ليس بالشيء الذي يمكن ان نمر به بدون اهتمام، ليس لبنان هو الوحيد بين اقطارنا العربية القطر الذي تُزَوّر فيه ارادة الشعب ويُفرض عليه الانحراف. ولكن الذي كان يحز في نفوس العرب هو ان التزوير والانحراف لا يمكن فرضهما في الاقطار الاخرى الا بالقوة الغاشمة وبأفظع انوع الارهاب والتعذيب رغم ما ينتاب الشعب في بعض هذه الاقطار من تأخر وجهل وضعف في الوسائل. في حين ان ذلك كان يتم دوماً في لبنان بيسر وسهولة وضمن مظاهر الحرية والديمقراطية دونما حاجة الى الاصطدام والقمع. وكان في ذلك دليل واضح على خطورة المرض وعمق التشويه الذي تفشى في لبنان العربي. كان هذا حتى الاسبوع الاخير، واذا لبنان القطر المتخلف في وعيه القومي رغم تقدمه الفكري والاجتماعي يهتز ويصحو ويرتفع الى مستوى الوعي والكرامة ويفرض شعبه على الحكام والعملاء ان يخرجوا عن هدوئهم الخادع ويلبسوا لبوس زملائهم العملاء والخونة في العراق والاردن، ويتحول الحكم الديمقراطي في لبنان الى حكم بوليسي ارهابي يقتل المواطنين في الشوارع ويملأ بهم السجون. فلئن كان ما حدث في الاردن منذ شهر من تنكيل بالشعب وقمع لحرياته يعتبر الى حد ما نكبة عارضة في تاريخ الوثبة العربية التحررية فان التنكيل بشعب لبنان وقمع حرياته يعتبر ظفراً كبيراً لهذه الوثبة وثمرة من أينع ثمراتها وتعويضاً عن النكسة التي حلت بالاردن.

 

وفي هذا تعبير قوي عن صحة الاتجاه الثوري وعن عمق تجاوبه مع اوضاع الشعب العربي في جميع اقطاره، وعن الامكانيات اللامتناهية التي تكمن في شعبنا والتي لا توقظها وتحركها الا السياسة المستمدة من طبيعة الشعب اي السياسة الثورية. ولقد يفرض منطق الحوادث على هذه السياسة بعض العثرات والخسائر، ولكن قدرها ان يكون ربحها اضعاف خسارتها وان تفاجأ بالعون والتأييد يأتيانها من حيث لم تكن تتوقع، وانها اذا خسرت حاكماً أو ملكاً فلكي تربح جمهوراً وشعباً.

 

واذا وعى العرب طبيعة مرحلتهم حق الوعي فانهم سيتخلصون من كثير من المخاوف والوساوس ودواعي التردد ويزدادون ثقة بصحة سيرهم واقداماً فيه. فطبيعة المرحلة التاريخية التي يمر بها العرب تتوضح ملامحها ويتحدد اتجاهها من ظاهرتين خطيرتين في حياة العرب الحديثة هما نكبة الجزائر ونكبة فلسطين. فالنضال العربي بمستواه الثوري الحاسم، والمستقبل العربي بمبادئه الانسانية الشاملة قد كتبت سطورهما الاولى ورُسمت صورتهما المقبلة في هذين الجرحين من قلب الامة العربية، الجزائر وفلسطين، حيث جرب العرب أعمق ألم انساني. والامة التي تقدّر عليها مثل هذه التجربة، لا يمكن الا ان تعطي اعمق ما عندها من الخير والابداع. وما دامت الامة واحدة وما دمنا حريصين على وحدتها وموضحين لوحدة قضيتها فلا بد للأجزاء الاخرى من ان تتفاعل وترتفع الى مستوى الاجزاء الأكثر ألماً وثورية.

 

qods

لقد تجمع الظلم البشري في هذا العصر وصَوّبته يد الاستعمار على الشعب العربي والارض العربية في موضعين، فقال الاستعمار الافرنسي لشعبنا في الجزائر أنت افرنسي وارضك قطعة من فرنسا. وبعد قرن وربع القرن من التقتيل والتنكيل وحرب الابادة يقول شعب الجزائر لفرنسا والعالم اجمع انه ما زال شعباً عربياً وارضه أرضاً عربية، ولكن فرنسا هي التي فقدت شخصيتها وأنكرها شعبها وضيعت ارضها روابطها الحية بسكانها حتى امسوا بدافع النفع والجشع يضحون بكرامتها وقيمها في سبيل الاحتفاظ بأرض غريبة تدر عليهم الربح، فالارض بالنسبة الى المستعمرين الافرنسيين هي التي يثرون منها لا التي يموتون من اجلها كما يفعل شعب الجزائر كل يوم.

 

وفي فلسطين تعاون الاستعماريون مع الصهيونية على اجلاء شعبنا عن ارضه وقالوا وما زالوا يؤكدون ان اسرائيل وجدت لتبقى، ولكن الشعب العربي يجيب على قولهم في فلسطين ومصر وسورية وكل بلد عربي ولم تمض على النكبة عشر سنوات: ان اسرائيل وجدت لتزول وليزول معها الاستعمار ايضاً.

 

لقد قصد الاستعمار الافرنسي من وراء الحاق الجزائر بفرنسا ان يُقَطّعَ أوصال المغرب العربي ليسهل عليه ابتلاعه قطعة بعد اخرى، فاذا بهذا الالحاق يخلق الخميرة القومية الثورية لتحرير المغرب وتوحيده. وقصد الاستعمار الغربي، مجتمعا، من وراء خلق اسرائيل ان يفصل بين اقطار المشرق العربي ويقطع الطريق على وحدتها. فاذا بوحدة المشرق العربي والوحدة العربية كلها تولد ولادة حية فعالة من نكبة فلسطين.

 

ولقد ولدت ايضاً في حياة الامة العربية معان وافعال كثيرة عميقة من هذا الظلم الذي تجمع وانصبّ على الجزائر وفلسطين، فوقف العرب من اعدائهم وقفة المدافعين، ولكنهم في الوقت نفسه وقفوا من مجتمعهم البالي واوضاعهم الفاسدة وعقليتهم القديمة وقفة المهاجمين الجريئين يعيدون النظر في كل شيء ويتحرون الصدق ويطمحون الى الاسس المتينة والقيم الشاملة. وهكذا حملت ثورة الجزائر من المعاني الايجابية ما فرض احترامها على جميع احرار العالم وما فرض بالتالي على حكومة فرنسا الاشتراكية ان تخون مبادئها الاشتراكية الانسانية وتفضح زيفها وتناقضها. وهكذا حملت انطلاقة شعب الاردن في العام الاخير من الحيوية والصلابة ما زعزع الاستعمار العالمي في كيانه، وما اضطر زعيمته الولايات المتحدة ان تكشف عن هويتها الاستعمارية العدوانية بشكل فاضح رخيص عندما عبأت أموالها واسطولها لصد انطلاقة قطر صغير كالاردن.

 

وفي لبنان ايضاً بذور وامكانيات للألم والثورة ولو انها من نوع مختلف. ففيه وعند بعض فئاته تجمعت عوامل السلبية والتشكك في اصالة الامة العربية وفي قدرتها على الانبعاث. وفيه تجمعت رواسب الانهزامية في النفس العربية والمحاولة اليائسة لشعب يريد ان يتخلص من ضعفه فيحاول انكار شخصيته والتبرؤ من قوميته، ولكن لبنان تحرك اخيراً ولأول مرة تحركاً ايجابياً ليس فيه مرض ولا فرار من المسؤولية. والفضل في ذلك يعود الى الاتجاه الثوري الذي تجسد في السياسة العربية التحررية والذي يستمد معينه من ألم العروبة في الجزائر وفلسطين. فلقد شطر هذا الاتجاه الجديد المجتمع العربي الى شطرين كما شطر العالم ايضاً الى قديم وحديث، وانهارت قيم دول الغرب امام ثورة العرب وتحالفت هذه الدول مع كل ما في المجتمع العربي من قديم وفاسد لتمنع ولادة المجتمع العربي الجديد، فلم يعد جائزاً ولا معقولاً ان تظل فئات مخدوعة ومكابرة حتى في لبنان تنشد الخلاص عن طريق تقليد الغرب والتبعية له بدلاً من ان تتعرف الى طريقها القويم وتضم جهودها وآمالها الى جهود وآمال الملايين من ابناء الشعب العربي الذين يبنون الحياة الجديدة.

 

وما دمنا امناء للمستوى الذي يحدده لنضالنا وبناء مستقبلنا عمق آلام شعبنا في الجزائر وفلسطين فلن يخرج حتى لبنان من حظيرة العروبة.

 

7 حزيران 1957