aflaq 3

يتساءل بعض النظريين المتحذلقين قاثلين: هل اتجاه الثورة في الجزائر اتجاه عربي واضح، وهل تقوم هذه الثورة على الايمان الصريح بالأمة العربية وبأن الجزائر جزء لا يتجزا منها؟ وكان الاجدر بهؤلاء وامثالهم ان يعكسوا السؤال ويقولوا: هل بلغت الاقطار العربية في وضوح الاتجاه القومي وعمق الايمان بالعروبة ذلك المستوى الرفيع النادر المثال الذي حققه شعبنا في الجزائر؟ إذ هل العروبة في اعمق واصدق معانيها الا النضال في سبيل الحرية؟ الحق ان الجزائر في ثورتها تمثل الامة العربية باحسن ما فيها، اي في مستقبلها المشرق المرتقب. لقد كانت هذه الثورة تحديا للعرب قبل ان تكون تحديا للاستعمار لقد تحدت طموح العرب وايمانهم بقوميتهم ووحدتهم في كل قطر من اقطارهم. حددت لهم المستوى اللائق بامكانياتهم العديدة التي لم يجرؤوا بعد على تفجيرها كلها واطلاقها من عقالها، واحرجتهم في الاختيار بين التنازل عن ادعاءاتهم وآمالهم العريضة وبين ان يؤيدوها ويضمنوا جديتها بالبذل والعمل والجهاد، ووضعتهم هذه الثورة أخيرا في موضع الخوف والخطر الجدي على البقاء، وما على العرب الا ان يقاوموا الخوف بالجرأة، والا ان يدفعوا الخطر بالتضامن، تضامن الخائف على بقاء أمته وهذا ما فعله عبد الناصر ايضا عندما أمم القناة فاثار رعب الوحش الاستعماري وشهوته للدم، وجعل بذلك العرب في شتى اقطارهم يعون تلك اللحظات الخصبة المبدعة، لحظات الحياة الخطرة التي تربي الشعوب وتصنع المعجزات.

 

واما الخطر الجدي الذي يتهدد الامة العربية نتيجة لثورة الجزائر، فهو ان الاستعمار، بعد ما شهده من بطولة شعبنا في الجزائر ومن امكانياته النضالية الخارقة، لم يعد ليقنع ويكتفي بحشد جيوشه وكل اسلحته الفتاكة للقضاء على هذه الثورة، بل لا بد له لكي يطمئن على المستقبل من ضرب العروبة وتمزيقها في كل مكان، لان الاستعمار يدرك اكثر من بعض العرب ان ثورة الجزائر هي ثورة الامة العربية.

 

 انه يعلم ان ثورة الجزائر ثورة كلية، تعطي لحرية الانسان وكرامة الانسان كل معانيهما، وان انتصارهذه الثورة سيدك قواعد الاستعمار في كل العالم انه يعلم ان ثورة الجزائر ثورة عربية تضع للعرب قيما جديدة وترفع مستوى النضال العربي وطاقته في كل قطر من اقطاره.

 

ولهذا فقد اطلق الاستعمار الغربي يد المستعمرين الفرنسيين في الجزائر ودعمهم بكل وسائل التخريب والافناء. والاستعمار الفرنسي الذي يعرف حقيقة هذه الثورة ومراميها، لا يحاربها على ارض الجزائر وحدها، بل يحاربها في قناة السويس وفي قلب الوطن العربي، في فلسطين. ولهذا تقف اليوم فرنسا وقد ربطت مصيرها ومصير اسرائيل في سياسة واحدة تحرضها على العدوان وتدعمها في كل شيء.

 

فليس العرب مخيرين اذن في هذه المعركة وفي نصرتهم لاخوانهم في الجزائر، وليس الامر امر عطف وعون لهؤلاء الاخوة، بل دفاع عن المصير الواحد. لذلك يجب ان يرتفع وعينا لهذه القضية الى مستوى خطورتها الحقيقية، وان تصبح قضية الجزائر ونجاح ثورتها في رأس قضايانا القومية، وان نعبر عن ذلك تعبيرا عمليا بتخصيص قسم جدي من موازنات الحكومات العربية للدفاع عن هذه الثورة، كما تخصص هذه الحكومات المال لتسليح جيوشها وتأمين الخبز لافراد شعبها.

 

 17 أيار 1957