معن بشور



الوفاء للذكرى الخامسة والخمسين لثورة 23 يوليو ولروح قائدها الخالد جمال عبد الناصر لا ينحصر فقط بالمظاهر الاحتفالية على ضرورتها، ولا بترداد الانجازات على عظمتها، ولا بتلمس الاعذار للعثرات على اهميته، بل يتطلب بشكل خاص السعي لاحياءالحركة القومية العربية التي شكلت التجربة الناصرية احد ابرز روافدها، كما للقراءة الموضوعية الهادئة لنواحي القوة والضعف فيها، فنطور الاولى في مختلف الميادين، ونعالج الثانية بكل ما نملكة من وسائل. 
ومن اجدر من بيروت، عاصمة الوفاء لثورة يوليو وقائدها، بل عاصمة الوفاء لكل قضايا الامة العادلة، من ان تكون منبر نقاش حر لسبل احياء الحركة القومية العربية، فهي عاصمة لبنان، البلد الذي ساهم مفكروه في اطلاق النهضة العربية ومنذ اواخر القرن التاسع عشر، بل البلد الذي حفظت اديرته لغة القرآن، اللغة العربية ابرز ركائز هويتنا الثقافية العربية، الذي حمت ثغوره الداخل العربي في وجه كل الهجمات الاجنبية القديم منها والحديث وصولاً الى حرب تموز الصهيونية قبل عام والتي تتداخل ذكراها اليوم مع ذكرى ثورة تموز المصرية وتنهلان من الينابيع ذاتها، ينابيع الكرامة والع زة والاباء.

الحركة القومية بين الفكر والممارسة

ان السبيل الى احياء القومية العربية، عنوان حديثنا اليوم، ينطوي على إقرار بتراجع هذه الحركة، وانحسار دورها، وتعثر ادائها وادواتها في آن، وبالتالي فهو حديث نقدي بالدرجة الاولى، غير ان النقد هنا لا ينطلق من مواقع الانكسار او التشهير، بل من واقع الثقة بالامة ومن منطلق التمسك بمبادئ حركتها القومية التي عاشت في ظل صعودها أبهى ايامها وأجمل عطاءاتها واروع انتصاراتها.

ولكن السؤال الذي يجب ان يسبق الحديث عن احياء الحركة القومية هو هل تحتاج الامة فعلاً الى احياء حركتها القومية، الا يكفي هذه الحركة ما اخذته من فرص تاريخية كي لا نعود الى ارتكاب الخطأ مرة اخرى؟

للاجابة على هذا السؤال المزدوج، لا بد من الاقرار بأن الفشل او التعثر او الانحسار الذي اصاب الحركة القومية العربية لم يكن بسبب الافكار التي حملتها، او الاهداف التي سعت الى تحقيقها، بل اساساً بسبب الممارسات التي وقعت بها انظمة ومنظمات، وربما افراد، رفعوا شعارات هذه الحركة وتوسلوا اهدافها طريقاً للوصول الى السلطة فباتوا اسرى لها، ولمنطقها، ولصراعاتها التي لم تبق ولم تذر.

وأوضح الادلة على ان الفشل لم يكن في افكار الحركة القومية العربية بل في الممارسات التي ارتكبت باسمها، ان العروبة، كهوية قومية، ارتكزت اليها هذه الحركة، تبرز في كل لحظة تواجه فيها الامة امتحاناً، بل يتأكد الانتماء اليها مع كل محنة نمر بها.

فالهبات الشعبية العربية التي رافقت الانتفاضة الفلسطينية الاولى عام 1987، ثم الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، وتلك التي سبقت الحرب العدوانية على العراق عام 2003 ورافقتها، كما رافقت عدوان تموز 2007 ضد لبنان وتصاعدت، كانت تعبيرا عن موقف واحد لابناء الامة من محيطها الى الخليج، وهي اذا لم تستطع ان تكون فاعلة حاسمة آنذاك فان تأثيرها يزداد مرة تلو الاخرى، واثرها على النظام الرسمي العربي يتعاظم تجربة بعد تجربة.

وفكرة الوحدة العربية التي تطمح الحركة القومية العربية الى تحقيقها باتت اليوم مع عصر التكتلات الكبرى التي يشهدها العالم، هي طريقنا لمواكبة هذا العصر وتحدياته، بل انها تعبير عن ريادة هذه الامة في اكتشافها المبكر لقانون العصر: الوحدة شرط البقاء، والتكامل شرط النماء.

ولعلها من المفارقات الكبرى في ايامنا هذه، ان اعتى اعداء الوحدة العربية، أي اصحاب المشروع الصهيو- امريكي، هم انفسهم يدعون الى شرق اوسط جديد هو ذاته المنطقة العربية الموحدة، لكن مع استلاب هويتها وثقافتها وخصوصيتها وتمكين الكيان الصهيوني من اختراقه والهيمنة عليه. أي ان الاطار المطلوب في هذه المشاريع هو اطار وحدوي لكن المضمون هو صهيو – استعماري.

وسلامة الفكرة القومية العربية تتضح كذلك بوضوح مع فشل كل المشاريع التي حاولت ان تقوم بديلاً عن المشروع القومي العربي لا سيما المشروع القطري، او حتى الاقليمي، وقد جرى الترويج للمشروعين بعد النكسة الكبرى التي اصابت الحركة القومية العربية مع الانفصال المشؤوم عام 19661، والضربة التي تلقتها مصر وسوريا في حزيران 1967.

فشل المشروع القطري

فهذا المشروع القطري، الذي قدم كمشروع بديل عن المشروع القومي لم ينجح حتى في توفير الحد الادنى من متطلبات السيادة والاستقلال والامن والنمو للاقطار والكيانات التي ادعى انتسابه لها واعطاها الاولوية في اهتماماته.

لقد شهدنا على مدى العقود الاربع الماضية بشكل واضح كيف ان الاستقلال الوطني للكيانات العربية، بما فيها الكيانات الكبرى، كان مهتزاً، وكيف ان السيادة الوطنية انتهكت إما عبر احتلال الارض عندما كان يعجز الاعداء عن فرض املاءاتهم وشروطهم، او عبر احتلال الارادة كما نرى في العديد من انظمتنا. 
ولقد شهدنا ايضا، في ظل المشروع القطري، غياب مشروع جدي للامن القومي العربي، ناهيك عن الامن الوطني ذاته، فأخذ أمن اقطارنا يتعرض من الداخل والخارج في آن الى سلسلة من الزلازل والاعاصير المتدحرجة التي يصعب وقفها دون جدار قومي وتضامن عربي صلب في مواجهتها.

وشهدنا كذلك، في ظل المشروع القطري او الكيانات المرتبطة به، تعثراً واضحاً في حركة النمو والتقدم الاقتصادي والاجتماعي، رغم ان الامة ككل تمتلك من الامكانات البشرية، والموارد الطبيعية، والسوق الكبرى، والكفاءات الانسانية، والمواقع الاستراتيجية، ما يؤهلها الى ان تكون في طليعة الامم المتقدمة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي اذا ما توافرت شروط التكامل والتعاون التنسيق بين اقطارها وكياناتها.

وعلى المستوى الثقافي والعلمي، وجدنا في ظل المشروع القطري اختراقات خطيرة لبنيتنا الثقافية وقدراتنا العلمية، حيث يجري كل يوم تدمير ممنهج للجذور الثقافية والعقائدية للامة، وضرب مرتكزاتها الاساسية لا سيما العقيدة واللغة والمخزون الحضاري، بالاضافة الى نشوء ما يشبه الشبكة الدولية الهادفة الى استدراج العديد من ادمغتنا وطاقاتنا العلمية الى بلدان الغرب في ظل ضرب كل البنى والقدرات والامكانات الوطنية الجاذبة لها لكي تبقى في اوطانها، ولعل عجز أي قطر بمفرده عن تخصيص الاموال والامكانات اللازمة لمؤسسات البحث العلمي مثلاً هو دليل ساطع على استحالة التطوØ ± العلمي المطلوب في غياب منظومة علمية وتكنولوجية عربية كبرى.

فالمشكلة اذن لم تكن في مبادئ الحركة القومية العربية وتطلعاتها، بقدر ما كانت في الممارسة مما يقود الى ان الحاجة الى احياء هذه الحركة، عبر تجاوز تلك الممارسات، تبدو اليوم اكثر من ضرورية.

فبالاضافة الى ما استعرضناه آنفاً من فشل المشروع القطري في ضمان الاستقلال والسيادة الوطنية، وفي صون الامن الوطني والقومي، وفي تحقيق النماء الاقتصادي والاجتماعي، وفي تحصين الهوية الثقافية للامة وفي الحفاظ على ثروتها العلمية والتكنولوجية، فان الحاجة الى احياء هذا المشروع القومي تكمن كذلك في ضرورة الخروج من حال التفتيت والتمزق والتقسيم والفدرلة والحروب الاهلية المعلنة او الكامنة الممتدة من اقصى المحيط الى اقصى الخليج.

مخططات تمزيق المنطقة

لقد شهدنا على مدى العقود الماضية جملة وثائق وخرائط، ومررنا بسلسلة من الحروب والتطورات الدامية، كان عنوانها جميعاً تمزيق الكيانات العربية الحالية، أي تقسيم المقسّم، وتفتيت المفتت، وتجزئة المجزئ، والمفتاح الى ذلك كله يكمن في الانقضاض على هوية الامة الجامعة، وعلى الرابطة القومية المنيعة التي تشد ابناءها الى بعضهم البعض.

في هذا المجال نتوقف امام وثيقتين احداهما تعود الى ما قبل 25 عاما( وتحديداً عام 1982) والثانية الى ما قبل ايام.

الوثيقة الاولى هي كتاب صدر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية عام 1983 بعنوان "تطور العقيدة العسكرية خلال 35 عاما" من اعداد أ. سمير جبور واشراف أ. محمود سويد، وقد اعد د. هاني سليمان عنه تقريراً نشر في العدد الخامس من مجلة المنابر في حزيران 1986.

في هذا الكتاب خطاب غير منشور لارييل شارون يتحدث عن نوعين من الاخطار الخارجية التي تتهدد الكيان الصهيوني: اولها المواجهة العربية وثانيها التوسع السوفياتي، اما بالنسبة للعامل العربي فقد حدده شارون بأمرين الايديولوجية القومية لانظمة الحكم الراديكالية العربية والثاني وجود منظمة التحرير الفلسطينية والتحدي الذي تطرحه.

نستطيع القول اليوم ان المخطط الصهيوني نجح في ضرب الاتحاد السوفياتي، والكل يعرف دور الموساد والجماعات الروسية المتصهينة في هذا الامر، ونجح ايضا في ضرب بعض الانظمة الراديكالية التي تحمل ايديولوجيات قومية كالعراق او في ترويض بعضها الاخر، ونجح كذلك في تحقيق انقسام فلسطيني وصل الى ذروته مع احداث غزة، لكن ما ينبغي ان نتوقف عنده في هذا الخطاب هو الحديث عن خط "الايديولوجية القومية" لبعض الانظمة، والتي تستهدفها الحركة الصهيونية لما تنطوي عليه من مخاطر، وهنا نستطيع مثلاً ان نفهم طبيعة الضغوط والتهديدات التي تتم ممارستها ضد سوريا منذ سنوات.

اما المقالة الثانية البالغة الاهمية، والتي يتضمنها الكتاب فهي دراسة للصحافي عوديد ينيون وهو موظف سابق في الخارجية الاسرائيلية في الستينات.

يقول هذا الصحافي منتقداً عدم اعطاء الاردن للفلسطينيين بعد عام 1967 "لكي نحيد الفلسطينيين" حسب قوله، ومنتقداً كذلك الانسحاب من سيناء التي يشبه تكوينها الجيوليوجي تكوين الدول الغنية بالنفط، وبالتالي فان تخلينا عن سيناء – والكلام ما زال لينيون – سوف يؤدي الى اختناق نفطي قوي خلال المستقبل القريب.

من هنا يدعو الكاتب الصهيوني الى احتلال سيناء مجدداً، معتبراً ان مصر باتت جثة هامدة في اعقاب انهيارها (يقصد كمب ديفيد) وفي اعقاب الانقسام الاسلامي – المسيحي الذي سيزداد تأزماً في المستقبل (هذا الكلام قيل في مطلع الثمانينات). ويستطرد الكاتب ان تجزئة مصر اقليمياً الى وحدات فرعية جغرافية منفصلة هي هدف "اسرائيل" السياسي في الثمانينات، اما الدول مثل ليبيا والسودان والدول الابعد فهي لن تبقى على صورتها الحالية بل ستتقفي اثر مصر في انهيارها وتفتيتها، فمتى تفتتت مصر تفتت الباقون.

ان رؤية دولة قبطية – مسيحية في صعيد مصر، الى جانب عدد من الدول الضعيفة ذات سلطة اقليمية لا سلطة مركزية لها، كما هو الوضع حتى الان، هي مفتاح التطور التاريخي الذي اخرته معاهدة السلام.

ولا ينسى اينيون ان يذكر ايضا ان "تفتيت سوريا والعراق الى مناطق ذات خصوصية اثنية ودينية واحدة، على غرار لبنان، هو هدف من الدرجة الاولى بالنسبة لاسرائيل في الحبهة الشرقية"

باركر: ادارة بوش مصممة على التمزيق

اما الوثيقة الاخرى التي برزت بعد ربع قرن على تلك الوثائق فهي محاضرة للسفير الامريكي السابق في لبنان السيد ريتشارد باركر قبل ايام في باريس،وقد نشرت جريدة الديار اللبنانية ملخصاً لها يوم الاحد في 22 تموز 2007 يقول فيها " ان الرئيس جورج بوش سيعمل خلال الفترة ‏المتبقية من ولايته الرئاسية على وضع اسس ثابتة لمشاريع «خرائط طرق» لمنطقة الشرق الاوسط ‏تنطلق من تطلعات القسم الاكبر من ممثلي الاقليات الدينية او المذهبية او العرقية، التي ‏تتمحور كلها حول ضرورة منح الحكم الذاتي لهذه الاقليات عبر اقامة انظمة حكم ديموقراطية ‏فيدرالية بديلة للاوطان والحكومات القائمة الان".‏ 
ويضيف السفير الاميركي باركر الذي خدم في لبنان في مطلع الثمانينات، ان ادارة الرئيس بوش ‏التي لم تتراجع بعد عن خطة «الفوضى المنظمة» في منطقة الشرق الاوسط. ليست بحاجة الى اي قرار ‏من مجلس الامن الدولي لتنفيذ هذا السيناريو، انطلاقا من كونه مسألة «وطنية داخلية» في كل ‏دولة من منطقة الشرق الاوسط المكونة اصلا من مجموعات محدودة من الاقليات الدينية والاثنية.‏ 
ويشير الدبلوماسي الاميركي السابق الى ان الخطوة الاولى نحو مسار «خرائط الطرق» ستكون في اقامة ‏اتحاد هاشمي بين «العراق الفيدرالي» وبين المملكة الاردنية على ان ينضم الى منظومته الدولية ‏الفلسطينيون بعد إعلانها تحت صيغة كونفدرالية، مما يفسح في المجال أمام توطين اللاجئين ‏الفلسطينيين كبديل عن حق العودة ومع التعويض المالي طبعا. وبحسب الخطة الأميركية فان الاتحاد ‏الهاشمي المرتقب بين العراق والأردن سيعني وصلا جغرافيا بين تركيا وإسرائيل، مما يسهل نقل ‏المياه لإسرائيل ونقل النفط العراقي إلى إسرائيل ومنها للتصدير الخارجي أيضا.‏


"أما بالنسبة لمستقبل الوضع السياسي في لبنان – حسب باركر- فالواقع أن اللبنانيين الذين على تواصل مع ‏المسؤولين الأميركيين لم يكونوا بحاجة إلى طرح أفكارهم ومشاريعهم في هذا الخصوص، إذ أنهم سمعوا ‏كلاما واضحا وصريحا عن استعداد واشنطن لتأييد مشاريع الفيدراليات".‏

وذكر السفير الأمريكي الأسبق ريتشارد باركر أن لجان الكونغرس الأمريكي أصبحت أدراجها متخمة بسلسلة من مشاريع اللامركزية الإدارية الإنمائية والسياسية الموسعة التي لا تزال قيد الدرس ناهيك عن مشاريع جاهزة للتنفيذ وأخرها تلك المقدمة من احد الأحزاب اللبنانية المؤثرة والتي تنص على تحويل لبنان إلى 12 محافظة يتمتع كل منها باستقلال إداري وإنمائي واسع وجعل بيروت وضواحيها عاصمة المحافظات الموسعة ومقراً للسلطة المركزية على ان يتم توزيع المحافظات مناصفة بين المسيحيين والمسلمين.

وشدد الدبلوماسي الامريكي على التأكيد بأن شكل الصيغة الجديدة للبنان بدأ يتبلور في عواصم القرار الدولي، التي ستنتظر الوقت المناسب لفرضه بأيدي اللبنانيين انفسهم! لكن الخلاف الدولي يبقى ليس حول نوعية هذه الصيغة ان كانت لا مركزية ادارية موسعة لا مركزية سياسية موسعة و فيدرالية او او كونفدرالية. انما بين تيار دولي لا يمانع في فرض احدى صيغ هذه الحلول ولو كان مقابل "حمام من الدم" وتيار اوروبي يؤيد التغير على طاولة الحوار. 


ضرب العروبة هدف الاعداء

في مواجهة هذه المخططات القديمة الجديدة، هل يمكن لغير الحركة القومية العربية الديمقراطية ، الاصيلة عبر ارتباطها في المخزون الروحي والحضاري للامة، الجامعة لكل التيارات الفكرية والعقائدية المسكونة بهم النهضة والوحدة والاستقلال والتقدم. ان تحصين اقطارنا وكياناتنا بوجه هذه المخططات.

ألم نلاحظ مثلا ان ضرب عروبة العراق كانت الهدف الاول للاحتلال الذي اعترف بكل القوميات الموجودة في العراق الا القومية العربية، وسمح لكل الاحزاب الطائفية والمذهبية إلا البعث الذي اصر على اجتثاثه بحكم فكرة القومي، وتركيبته العابرة للطوائف والمذاهب والاعراق، حزب العروبة والوحدة. 
وفي السودان العربي المسلم الافريقي، ألم نلاحظ ان مشروع تمزيقه بدأ بالاجهاز على هويته العربية كمقدمة لضرب عقيدته الاسلامية وصولاً الى تعطيل دوره الافريقي.


وفي المغرب العربي الا نلاحظ حجم التركيز على الفرنكوفونية كبديل عن الهوية العربية، وعلى السعي بمختلف الوسائل لاضعاف اللغة العربية.

وفي دول الخليج العربي ألا نلاحظ ان عروبة هذه الدول الصغيرة قد اغرقت بعمالة اجنبية، تبدو اليوم رخيصة بالمعنى المادي، ولكن مخاطرها واكلافها على هوية تلك المنطقة ستكون باهظة حين يبدأ التحرك لانتزاع قوانين وتشريعات تحمي هذه المجموعات وتوفر لها حقوقاً مكتسبة على حساب السكان الاصليين.

ان بقاء عيوننا مفتوحة على المخططات الاستراتيجية البعيدة المدى التي ترسم لبلداننا هو وحده الكفيل باخراجنا من ازقة الحسابات الانية والقصيرة الى رحاب المشاريع الكبرى في وفي مقدمها المشروع القومي العربي.

فهل كان ممكنا لمثل هذه المخططات ان تجد لها سبيلاً للتنفيذ، ولهذه الافكار التفتيتية طريقاً للانتشار، لو كانت الحركة القومية العربية قوية وفاعلة وتعيش حالاً صحية سليمة، كما كان عليه الامر في زمن المد القومي العربي في الخمسينيات والستينيات مع ثورة يوليو الناصرية، وحركة البعث العربي قبل الانشقاقات التي تعرضت لها، وحركة القوميين العرب قبل حلها الى تنظيمات قطرية، وجبهة التحرير الوطني الجزائرية قبل ازماتها، والحركة الوطنية المغربية قبل تعرضها لاشد انواع العسف والقمع، والجبهة القومية في عدن عشية الاستقلال.

هل كنا نسمع في تلك الايام بالمفردات الطائفية والمذهبية وحتى العنصرية المّروج لها هذه الايام، ألم تنجح الحركة القومية بتياراتها جميعاً، ان تستقطب في قواعدها وقياداتها مناضلين من كل الطوائف والمذاهب والاعراق دون تمييز او تفرقة، ألم يكن جمال عبد الناصر حاضن القضية الكردية في اصعب ظروفها، وداعماً للحركة الثورية الايرانية منذ انتفاضة 5 اخرداد 1963 بقيادة الامام الخميني بكل الوسائل.


ألم تكتب جريدة "اللوموند" الفرنسية عام 1956، بعد تأميم قناة السويس وعشية العدوان الثلاثي على مصر، اذا اردت ان تعرف حدود القومية العربية فما عليك الا ان تنظر الى خارطة البلدان التي تجاوبت مع نداء مؤتمر التضامن برئاسة السياسي اللبناني المعروف المغفور له حميد فرنجية للاضراب والتظاهر، حيث اخترقت الشعوب آنذاك كل الحواجز والسدود ووسائل القمع المحلية او الاجنبية مع الوجود الاستعماري المباشر في دول المغرب والخليج العربي.

ومن هنا، فاحياء الحركة القومية العربية ليس نزوة تاريخية عابرة، ولا لحظة ارادوية زائلة، بل هو حاجة حيوية وضرورية يتوقف عليها نجاحنا في الدفاع عن استقلال الامة بكل اقطارها، وتحرير الارض العربية المحتلة في كل مناحيها، وصون الهوية الثقافية والحضارية والروحية للامة بكل تجلياتها، وانجاز مشروع النهوض والتقدم والتنمية بكل ابعاده.


فما هو السبيل الى هذا الاحياء اذن؟


هنا تندرج جملة عناوين تنطوي في جوانب منها على نظرات نقدية الى التجارب السابقة التي مرت بها الحركة القومية، فيما تنطوي جوانب اخرى على مجموعة رؤى واقتراحات فكرية وعملية لا بد من مناقشتها واغنائها وتطويرها.


المشروع النهضوي الحضاري

نقطة البداية في عملية احياء الحركة القومية العربية تكمن في نجاح نخب الامة الفكرية والثقافية والنضالية في صياغة مشروع نهضوي حضاري لهذه الامة، بدأت ملامحه الاولى بالظهور ، بما يمكن تسميته مرحلة النهضة العربية الثانية في العصر الحديث، عبر بالجهود المتواصلة التي يبذلها مركز دراسات الوحدة العربية منذ سنوات لاعداد هذا المشروع وتقديمه بشكل مكثف ومعمق الى ابناء الامة ونخبها لمناقشته واغنائه وتطويره وقد بدِأت هذه المناقشة بالفعل في الدورة الثامنة عشرة للمؤتمر القومي العربي التي انعقدت في المنامة (البحرين) في اواخر نيسان/ابريل الماضي.


وأهمية خروج هذا المشروع تكمن في عدة امور:


اولا: ان هذا المشروع سيصبح بوصلة لحركة الامة نحو تحقيق طموحاتها وتطلعاتها، فيحدد لها الاهداف، ويرسم لها الاليات، ويوضح لها الرؤى، ويخرجها من متاريس العصبية الحزبية والجمود العقائدي والتناحر الايديولوجي الى رحاب البرامج المتكاملة، بل يرتقي بها من الشعار العائم والهائم الى المشروع المحدد والمفصّل.


ثانيا: يشكل هذا المشروع بالمقابل ارضية جديدة لصياغة مفهوم الحركة القومية العربية ذاتها، ولتعريف جديد للقومي العربي بعيداً عن القياسات التقليدية السابقة، بعد ان حول البعض هذه الحركة القومية الى مجرد سلالات لاحزاب وحركات وافراد لم يعد لبعضها من القومية إلا الاسم.


فالقومي العربي يصبح اذن هو الملتزم بهذا المشروع، العامل في سبيل تحقيقه، دون الوقوف عند خلفيته الايديولوجية سواء كان اسلامياً او ماركسياً او ليبرالياً وطنيا، او بالطبع قوميا كلاسيكياً، وبالتالي يشكل المشروع النهضوي الحضاري مساحة لقيام كتلة تاريخية في الامة تضم تياراتها الرئيسية وتشكل الاطار القادر على مجابهة التحديات.


ثالثا: ان هذا المشروع لم يكتف بتحديد اهدافه الستة (الوحدة العربية، الديمقراطية والشورى، الاستقلال الوطني والقومي، التنمية المستقلة، العدالة الاجتماعية ، التجدد الحضاري) وبتوضيح مضامينها، وتحليل عناصر الترابط فيما بينها، بل اوضح بشكل تحليلي دقيق مخاطر مقايضة أي هدف باهداف اخرى، معتبراً ان التنازل عن أي هدف سيصيب الاهداف الاخرى نفسها في الصميم، ومدركاً ان احد ابرز اسباب تعثر العمل القوميالعربي في مراحل سابقة كان في قيام هذه المقايضة على حساب اكثر من هدف.

2007

(Source : /www.alfikralarabi.org)