République Arabe unie

بسم الله الرحمن الرحيم 


المنسق العام للمؤتمر القومي-الاسلامي،الأستاذ منير شفيق 


ذكرى وحدة مصر وسوريا يجب ان تسجل في التاريخ العربي المعاصر من اهم الانجازات، لانها اخترقت موازين قوى ومحرمات دولية واقليمية وقطرية عربية لم تخترق منذ تقسيمات سايكس – بيكو والسيطرة الاستعمارية بعد الحرب العالمية الاولى. 

وذكرى انفصال وحدة مصر وسورية يجب ان تسجل في التاريخ العربي المعاصر من اشد الكوارث التي نزلت بالامة العربية، بل اشدها منذ خمسينات القرن العشرين، فهي الكارثة الثانية بعد نكبة فلسطين. 

وذلك لان الانفصال اضاع فرصة تاريخية لتثبيت طريق الوحدة العربية، ليحل مكانه هجوم، ما زال مستعراً لسد ذلك الطريق، واغلاق ابواب الامل في سلوكه، بل استبعاده من الوعي والتخلي عنه هدفا ولو بعيد المنال. 

الوحدة العربية، بكل الوان الوحدة، ليست ترفاً ولا مجرد مبدأ وأمنية، وانما ضرورة وجود ونهضة بالنسبة الى العرب، ومن ثم للمسلمين كافة كذلك، وهذا ما اكدته مخططات التجزئة وتكريسها في الاستراتيجيات الدولية، وهو ما اثبتته تجربة العمل القطري بعيداً حتى من أدنى أشكال التضامن والتكامل والعمل العربي المشترك. فكل ما يمكن ان ينسب الى الوضع العربي من تخلف وتدهور في مجالات الاقتصاد والتعليم والصحة وانتشار الامية، ناهيك عن الفشل في مواجهة قيام دولة الكيان الصهيوني وعدوانيتها وتوسعها، او الفشل في تكريس الاستقلال والسيادة وحماية الامن القومي القطري والعربي العام، وما نشهده اليوم من تحديات تستهدف وحدة الشعب والتراب الوطني لعدد من اقطارنا العربية، هو نتاج البرنامج القطري البعيد عن الوحدة العربية حتى في ادنى مستوياتها، مما يؤكد ان العرب اذا ما كرسوا القطرية المنغلقة، وابتعدوا عن مشاريع التضامن والعمل المشترك والروح الوحدوية، ان لم تكن الوحدة العربية، فÙ جودهم في خطر، ومستقبلهم الى اسوأ المآلات، ووحدة اقطارهم مهددة، ولا امل لهم في تنمية ونهضة، ناهيك عن تحرير فلسطين وحماية الاستقلال وتحقيق الامن القو 
مي. 

ولهذا لم يكن من قبيل الصدفة ان يتحرك الاسطول السادس الامريكي لمنع مصر من نجدة الوحدة واسقاط انقلاب هزيل معزول عن الشعب في سورية. ولم يكن من باب الصدفة ان يستنفر جيشا الكيان الصهيوني وتركيا الاطلسية لتكريس الانفصال وحمايته. ولم يكن بلا مغزى ان يلتقي الاتحاد السوفياتي والغرب كله وبعض الدول العربية لدعم الانفصال والضغط على مصر للتسليم به. 

اما النخب في سورية وبعض الدول العربية ممن انجروُّا الى تأييد الانفصال تحت حجج شتى ، ومن بينها استعادة الوحدة على اسس جديدة ، فقد اثبتت التجربة قصر نظرهم، وتهافت حججهم، لان خسارة تلك الوحدة لن تعوّض بعد عشرات السنين. كما اثبتت التجربة طوال العقود الخمسة الماضية ان التخلي عن تلك الوحدة لم يحقق ديمقراطية ولا حريات عامة، وانما كرّس طريق الاستبداد والتخاذل والتجزئي القطري. 

وبكلمة ، ان ما آلت اليه التجربة بعد غياب مشروع الوحدة وتغييبه، وما آلت اليه الاوضاع العربية لا تتركان لمدافع عن الانفصال قولاً يُسوّغ تأييد ذلك الانفصال اللعين. 

ايها الاخوة والاخوات 

لقد امكن تحقيق وحدة مصر وسوريا في ظرف اختلّت فيه موازين القوى الدولية والاقليمية. فبريطانيا وفرنسا كانتا في حالة أفول ، وكانت الامبريالية الامريكية تسعى الى وراثتهما، وكان الاتحاد السوفياتي ، لاسيما منذ المنتصف الثاني من خمسينات القرن العشرين ، قد انتقل الى الهجوم، وكان هذا هو حال الصين والهند ويوغسلافيا، وكانت مصر قد خرجت منتصرة من تأميم القناة ودحر العدوان الثلاثي. ففي هذا الظرف امكن اختراق المعادلة الدولية والاقليمية فكانت الوحدة. 

ولكن مع بداية الستينات تكرست الهيمنة الامريكية على العالم العربي، وبدأت الضربات توجه الى حركات التحرر. وتتالت سلسلة الانقلابات التي أطاحت بنيكروما وسيكوتوري وسوكارنو على سبيل المثال لا الحصر، وكان من بينها انقلاب فصل سوريا عن مصر، وصولاً الى عدوان حرب حزيران 1967. 

ولهذا يخطئ من يعيد أسباب الانفصال الى أخطاء ثانوية ارتكبت في عهد الوحدة ، مُسقطاً من حسابه متغيرات ميزان القوى عالمياً واقليمياً في تلك المرحلة، والا ما كان اسهل من بقاء تلك الوحدة مع ما يسجله البعض من اخطاء عليها. فما من وحدة قامت وتكرست بسبب خلوها من الاخطاء او مما حسبوه على وحدة مصر وسورية. بل يمكن ان نعدّد دائما سلسلة طويلة من المآخذ الداخلية على كل وحدة عرفتها بلدان الغرب مثلاً، واغلبها ان لم يكن كلها تحقق بالقوة، والضم، والوان من القمع وسفك الدماء، وهذا ما تشهد به تجارب الوحدة في الولايات المتحدة الامريكية وفي المانيا وايطاليا وبريطانيا. 

فالوحدة بين مصر وسورية لم تسقط بسبب طريقة حكم عبد الحكيم عامر لسورية، مع التحفظ الشديد عليه وعلى اسلوبه في الحكم، او في قيادة الجيش المصري. ولم تسقط بسبب غياب الديمقراطية او الحريات السياسية العامة، بالرغم من اهميتهما، فالديمقراطية لم تمنع سقوط حكومة مصدق ولا حكومة أليّندي ولا حكومة سوكارنو. 

لهذا احسب ان تقويم التجربة يجب ان يتخلص من تلك الاحكام المتعجلة والسطحية حول اسباب نجاح انقلاب الانفصال الذي كان أوهن من خيوط العنكبوت من حيث قوته الذاتية. فالوحدة تأتي وتبقى، أو تُمنع وتُضرب ضمن معادلات معقدة من موازين القوى الداخلية والاقليمية والدولية، وما يمكن ان يوفَّر من شروط داخلية ليس من بينها، او في ادنى مراتبها، من حيث الاولوية، ما شاع من مآخذ على دولة الوحدة. 

ان اثارة هذه الاشكالية في فهم ما جرى في تجربة الوحدة هو اعادة الاعتبار الى تلك التجربة باعتبارها انجازاً عظيماً ما ينبغي له ان يضيع عبر ما يُسمى النقد والاخطاء. انها تجربة ينبغي لنا الاقدام عليها كلما سنحت الظروف، فقد كانت خطوة مقدامة شجاعة، وفي مكانها، إذ تحدت ارادة الدول الكبرى، واستراتيجية تكريس التجزئة العربية واسقاط الوحدة من الحساب. 

فالمطلوب ابقاء هذا الانجاز الباهر الاستثنائي حاضراً لكي يتكرر، وليكون وعياً ثابتاً لا يتزعزع باعتباره ثابتاً من ثوابت الوجود للعرب ونهضتهم وعزتهم. 

لقد كانت الوحدة سِباحةً ضد التيار ؛ تيار الاستراتيجيات الدولية والواقع التجزيئي العربي. واذا كان ثمن السباحة ضد التيار مكلفاً ومعرضاً للنكسات ومحفوفاً بالمخاطر، فان السباحة مع تيار التجزئة والاستراتيجيات الدولية يلقي بنا الى المستنقعات ويجعلنا غثاءً بين الامم. 

 

(Source : www.alfikralarabi.org)