GetImage


نعيش اليوم في رحاب ذكرى ثورة 23 يوليو التي قادها الرئيس الراحل والكبير جمال عبد الناصر، وهنا قد يختلف البعض في عملية التوصيف لهذه المرحلة، حيث يعتبرها البعض بأنها واحدة من الثورات الكبرى في تاريخ مصر والأمة العربية، وبعض آخر يعتبرها ظاهرة أو تجربة إختزنت الكثير من الإيجابيات والسلبيات. 
ولعل أبرز الأخطاء أوالسلبيات التي يسجلها البعض على ثورة 23 يوليو أنها كانت تفتقد الى الديمقراطية والتعددية الحزبية والنقابية والسياسية، وإعتبار ذلك الخطأ بأنه شكل الحلقة الأضعف في التجربة الناصرية. 

ولكن لا بد من القول، أن هناك ضرورة للتمييز بين تجربة ودور الرئيس عبد الناصر ومشروعه النهضوي وانجازاته الكبرى وبين الحلقة الغائبة وهي " الديمقراطية ". 
وفي مقابل ذلك فقد كان الرئيس عبد الناصر يرفض رفضاً قاطعاً أعتبار 23 يوليو تجربة أو ظاهرة، بل كان يراها ثورة ومسارها يتواصل ومصيرها مضيىء، وأن غياب الديمقراطية في محطة من المحطات أو ظرف من الظروف كانت تفرضه مصلحة الثورة التي كانت تواجه الكثير من المؤامرات التي تستهدف إفشالها . 
وبعيداً عن التوصيف والتشخيص، فإننا نستطيع القول أن تاريخ 23 يوليو هو تاريخ محفور في أذهان الملايين من أبناء الوطن العربي، ويمكننا القول أيضاً أن هذه التجربة وهذه الحقبة شهدت أنضج نهضة فكرية وثقافية وسياسية بعد النكبة الفلسطينية، كما قادت هذه الثورة سلسلة كبيرة من التحولات في النضال الوطني المصري والقومي والإجتماعي والطبقي نحو مشروع نهضوي تناول كل جوانب الحياة، السياسية، والاقتصادية والفكرية والطبقية .... 
وبالتالي لا يمكن لأي إمرىء أن يتطرق الى هذه التجربة ويقفز على إيجابياتها والتحولات التي أحدتثها على الصعيد المصري والعربي، حتى وإن تعرضت هذه الثورة بعد رحيل الرئيس عبد الناصر عام 1970 الى انتكاسات عدة وتوقفت عن الحياة بعد مرور ثمانية عشر عاماً على تفجرها. 
ومما لا شك فيه أن ثورة 23 يوليو التي جاءت رداً على واقع التبعية والتخلف والإنحطاط الذي إمتد مئات السنين، قد فتحت على الإستقلال الناجز والتحولات الإجتماعية الكبرى، حيث كانت المنطقة العربية تعيش حالة من التباينات والتناقضات والإختلافات في الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصاية....، فبعض هذه الدول كان قد استقل حديثاً، والبعض الآخر كان ما يزال واقعاً تحت الإحتلال المباشر، والبعض الآخر كان أيضا لا يزال نظامه السياسي تحت الوصاية والتبعية، كل ذلك وكان الجرح الفلسطيني ينزف بفعل النكبة الكبرى وإغتصاب فلسطين من قبل الكيان الصهيوني. 
وقد إعتبر الرئيس عبد الناصر في إحدى خطبه الشهيرة عام 53 " أن ضياع فلسطين هو نتاج تفكك وتخاذل الأنظمة الرسمية العربية التي لم تفعل شيئاً لفلسطين سوى الكلام الخطابي والشعارات الفارغة التي حاولو فيها خداع وتظليل الشعوب العربية". 
كما إعتبر الرئيس عبد الناصر" أن ضياع فلسطين يهدد جميع الدول العربية ولا يقتصر الأمر على فلسطين فحسب، لأن المشروع الإستعماري الصهيوني التوسعي يستهدف المنطقة العربية بأكملها ولا يوجد دولة عربية بمنئى من خطر هذا الكيان العنصري الإستعماري، وفي هذا السياق خاطب الرئيس عبد الناصر العرب قائلاً " أن العملية ليست عملية فلسطين، إنما هى عملية العرب، وعندما طعنت فلسطين طعن كل منا فى شعوره ووطنه وعروبته ". 
وفي هذا المجال أيضاً، لا ننسى دعم الرئيس عبد الناصر لمقاومة وكفاح الشعب الفلسطيني وحقه في استرجاع أراضيه، ونذكر صيحته الشهيرة التي كانت تدوي دائماً " ان المقاومة الفلسطينية أنبل ظاهرة أنجبتها الأمة العربية، ولدت لتعيش إلى أن ينجز شعب فلسطين حقوقه الوطنية". 
ثماني وثلاثون عاماً مضت على رحيل هذا الفارس والقائد الكبير، لكن صورته ومبادىء الثورة الكبرى التي قادها لا زالت تتجسد اليوم في صورة الأمل وفي طموح الشعوب لتحقيق المشروع النهضوي العربي الذي عمل من أجله الرئيس عبد الناصر، والذي تصدت له الكثير من قوى الإستعمار وحاولت إفشاله بكل الوسائل والطرق بما فيها شن الحروب العسكرية الشاملة والمدمرة ولعل أبرزها العدوان الثلاثي 1956، وحرب 5 حزيران 1967، ومن ثم حرب تشرين/أكتوبر1973، التي مني بها العدو الإسرائيلي بهزيمة كبرى. 
واليوم فنحن لا نزال نواجه ذات التحديات وإن تغيرت المسميات والأسباب التي تتذرع بها الدول الإستعمارية لشن حروبها العدوانية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، فنحن لا نزال نعيش تداعيات حرب الخليج الأولى والثانية واستمرار العدوان الاسرائيلي على شعبنا الفلسطيني واحتلاله للارض الفلسطينية، بالاضافة الى الإحتلال الامريكي للعراق والحالة التي وصل اليها بعد الحرب التي شنت عليه بذريعة مواجهة أسلحة الدمار الشامل!، وقد تبث وإنكشف للعالم أجمع زيف هذا الإدعاء وهذه المبررات، وإنكشف الهدف الأساسي لإحتلال العراق الذي هدف الى تقسيم المنطقة العربية وإØ عال الحروب الاهلية والطائفية داخلها وإستغلالها لبسط النفوذ الأمريكي من أجل السيطرة على ثرواتها ولا سيما الثروة النفطية. 
ذكرى 23 يوليو، محطة لا بد لكن مواطن عربي أن يتوقف عندها، ويسأل نفسه، هل أصبح مشروع الوحدة العربية حلم مستحيل، وهل التبعية والرضوخ قدر لا يمكن مواجهته والتغلب عليه. 
إن الجواب على هذه التساؤلات وغيرها من الأسئلة التي تجول في خاطر المواطن العربي لها جواب واضح ووحيد، وهو أن تغيير هذا الواقع العربي الضعيف مسؤولية ينبغي القيام بها من كل قوى وحركات التحرر العربية والاحزاب الوطنية وقوى المجتمع المدني، التي ينبغي عليها أن تستنهض دورها وتخرج من حالة الإحباط وتحمل مشروعاً تغييرياً وبرامج عملية وأن تحتل موقعاً جماهيرياً متقدماً بعيداً عن التبعية والإحباط. 

فعلى الرغم من الوضع الرسمي العربي الذي نعيشه والميؤوس منه، إلا أن ذلك لا يعني بأن شعوب المنطقة التي تختزن الكثير من قوى المقاومة وسجلت الكثير من الإنتصارات والبطولات، قد أصبحت عقيمة ولا تنتج ثورات بحجم ثورة 23 يوليو. وبالتالي فإنه بإمكان شعوبنا أن تلعب دوراً مؤثراً في عملية التغيير والإنتقال بالأمة العربية من واقع التجزئة والضياع، الى التوحد والنهوض والقدرة على حماية مصالح الشعوب وثرواث المنطقة ومواجهة كل المخاطر والتهديدات والأعمال العدوانية التي تمارس بحق شعوبنا العربية ولا سيما في فلسطين ولبنان واستمرار احتلال الجولان..

 

https://www.alfikralarabi.org