بحث_عن_اللغة_العربية


في بيت شعر لشاعر عربي قديم صورة حلوة لحالة وجدانية يعيشها عندما تتوغل نفحة قدسية قلبه وتستكين فيه،وتأتلف :معه ويتآلف بدوره معها يقول فيه

وجاءت لقلبي نفحة قدسية فغبت به عن عالم الخلق والأمر 
في تلك اللحظات الطاهرة يحمله قلبه إلى عالم الصفاء والنقاوة والبركة ليغيّبه عن عالم الخلق والأمر



والهواجس والتوجسات،وفي بعض الأحيان الآثام،وفي معجم أساس اللغة يرتفع دعاء محب لحبيب له قائلا ً: "أنزلك الله حظيرة القدس" وهي الجنة، وفي كتاب أبجد العلوم أتى على ذكر"القوة القدسية : وهي المجردة عن الهوى" الناسكة العابدة في صلواتها وعباداتها تتوق إلى الواحد الأوحد وهو الله جلت قدرته،ومن أسمائه الحسنى "القدوس" مطلق الحق والخير والجمال. 
ولقد تكرم الله العزيز فمنح لغتنا العربية هبة من القدسية الأبدية من لا حدود تحد كماله في قوله تعالى في كتابه العزيز :"إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تتقون" سورة يوسف-الآية2، "كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون"سورة فصلت-الآية3، "إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تتقون" سورة الزخرف-الآية3، " " وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا واق " الرعد الآية 37 وبهذه المعاني السامية التقى في تتقون،والعلم وما جاءك منه....بيّن....غير ذي عوج لقوم يعلمون. استجابت اللغة العربية في تعابيرها ومضامين هذه التعابير لكلام الله فضمت بين حروفها الطهر - كلام الله - في أروع معانيه،ومن روائع هذه اللغة مجاراتها لكلامه تعالى فقد جاء في القرآن الكريم عن حكاية الخلق :"ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين" سورة المؤمنون-الآية12، "إنا خلقناهم من طين لازب" سورة الصافات-الآية11،واللازب:هو اللاصق، "إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال كن فيكون" سورة آل عمران-الآية59. 



وعودة إلى حكاية الخلق وبداياته كان خلق"آدم"عليه السلام وهو اسم سماه الله جلت قدرته به،وقد تماشت لغتنا ومنذ ذلك العصر مع قدسية التكوين لمن خلق من تراب وسجدت الملائكة له فاشتقت منه وأضافت إلى اسمه "ياءً" فكانت كلمة أديم وهو سطح الأرض الممتلىء بالتراب والطين فتماثلت الصورة بين المعنيين. 
ومن شواهد قدمها منذ بدايات الخلق،فعلماء اللغات أثبتوا وأكدوا أن أصوات الطبيعة كانت مصدر الوحي والإبداع اللغويين،ومن الصور الحسية المرافقة لها اشتقت الكلمات وطورت المعاني،فمن صوت الألم والمعاناة كانت الكلمات "أنّ وأنين " ، ومن صوت فقفة الماء المغلي اشتق العربي: فقأ الدمل،وفقع،وفقس البيض،وفقه العالم الحقيقية، ومن صوت حركة الماء في النهر والصور المرافقة له كان خرير الماء، - فخرج - من منبعه ، وشقه لمجراه....خرم،خرق، وكان الحت على جوانبه: "خرب " ، ومن صوت "تر" صوت سقوط الماء جاءت كلمة درّ الحليب وإن أبدلت التاء بــ "ذ" فكانت كلمة ذرّ بمعنى نثر،وتوسع ا لتلون في الخيال المرئي فكانت الذرية وتعددها وانتشارها كالذرات،وكانت الدرر. 

وماذا عن قدسيتها الأبدية؟!..... 

تلك كانت البداية، وعن النهاية قال رسولنا العربي صلى الله عليه وسلم:"أحبوا العرب لثلاث، لأني عربي، والقرآن عربي، وكلام أهل الجنة عربي". ولقد تميزت الحضارات القديمة برموزها العمرانية،والتماثيل المنتشرة في أرجائها واللوحات التعبيرية عن الحياة والموت والخلود،والحضارة العربية وعلى مشارف الحياة البشرية الأولى ومن رمال الصحراء الواسعة نبت الحرف فيها ونبتت حضارتها ، وتجمعت الحروف في كلمات وتعابير كانت الروعة فيما أنتجت،وفي الليالي الصحراوية الصافية تتلألأ النجوم ويتدرج نور القمر ليكون بدراً. 
تلك المشاهد الكونية علمت العربي علم النجوم والفلك فالشاعر ثابت بن سفيان الملقب ب" تأبط شرا " المتوفى سنة 85 قبل الهجرة قال في أحد أبياته : 
يرى الوحشة الأنيس ويهتدي بحيث اهتدت أم النجوم الشوابك 

وأم النجوم : المجرة لكثرة كواكبها 
ولأن في النظر أغلب الأحيان الى النجوم تمعن ودراسة لذا قال العرب " نظر النجوم " ويقال ذلك لمن تفكر في أمره لينظر كيف يديره – المصدر : معجم العين - ومع تقدم الأيام يقول النويري في كتابه " نهاية الأرب في فنون الأدب " 
" والثاني علم السماء والأرض وهو معرفة ماهية جواهر الأفلاك والكواكب وكيفية تركيبها , وعلة دورانها , وهل تقبل الكون كما تقبل الجهات الأربعة , وعلة حركات الكواكب واختلافها في السرعة والإبطاء " 
كانت حضارة من السماء تاقت اللغة لها وسعت نحوها وسمت اليها ، إبداعات لغوية تصاعدت من حبيبات الرمل لتتوحد مع السماء فكراً ونجوماً وألقاً فكلمة "آية" يحفها ضياء نورها،وتجللها طهارة معانيها،وفي القرآن الكريم تعددت مراميها فهي المعجزة في قوله تعالى :"سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة" سورة البقرة-الآية211،ومعجزات موسى عليه السلام وتنكر بني إسرائيل لها معروفة أيضاً وهنا العلامة في قوله تعالى :"إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم" سورة البقرة-الآية248، لكن لها معنى جديدا وهو العبرة في قوله تعالى :"إن ذلك في آية" سورة البقرة-الآية248،وهي أيضا ً بمعنى العجيب في قوله تعالى :"وجعلنا من ابن مريم وأمه آية"سورة المؤمنون-الآية50،وهي البرهان والدليل في قوله تعالى :"ومن آيته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم" سورة الروم-الآية22،وهي أخيراً تعني المجموع،ومنها قولهم خرج القوم بآيتهم أي بجماعتهم. 

ومكمن الكنوز في لغتنا لربما في تفردها وخصوصياتها عن باقي لغات الأرض جمعها في باقة واحدة يفوح عبقها من ترابط الكلمة بمعانيها والمشاهد اللاحقة بها،فمن الصور الجمالية الرائعة أن تتزين المرأة الغزلة والمحببة إلى قلب زوجها والتي أسمتها اللغة "بعروبة وعربة" بعقد من اللؤلؤ غاص زوجها في عمق البحر وجمعه لها،أمنيته أن يزداد حبها له،وازدياد فيض المشاعر والعواطف بينهما يصبح كفيض النهر يغمر كل وجودهما،وتلألأ اللؤلؤ على جيدها تلألأ النجوم في السماء فكان الألق والنور،وحرارة صدرها يخففها برد اللؤلؤ.....إنه الحب بضم الحاء،وهو كالحب في فتحها،ينبت الأول من ال قلب،والثاني من عمق الأرض،ويزدادان نمواً ويطرحان الزهور وفيض المشاعر،وعبق الرائحة،ويقدمان الثمار ومنها الأسرة والخير العميم،ولقد ارتضى الله العزيز القدير لنفسه أن يكون من أسمائه الحسنى "المحب" فهو النبع الأبدي السرمدي لحب ما خلق،ومبعث خير أزلي لعباده. 
وقديماً أضاف المرزوقي في كتابه (الأزمنة والأمكنة) لوحة إلى العرض ففيه"يقال للمتهلل وجهه:عرابة،وبئر عرابة:أي كثيرة الماء"ولنجمع هذه الأضمومة الجديدة عروبة-عرابة-المرأة-الوجه الباسم والبئر الفياض ماؤه جميعها تقدم الهدايا بعطاءات كبيرو كثيرة. 
وإن شدنا الشوق زمناً لنسير ونمشي في دروب عشق اللغة وحبها والتيم بها لوجدنا أناقة الترابط في نقل صور الطبيعة بحس العربي المبدع فالكون من كان -مكان- كائن، ومن وجد الشيء الوجدان-التواجد-الوجود-والوجد(الشوق)،ومن حرف الباء ابتكرت العبقرية العربية بابا-أب-أبَّ أي اشتاق أو انتصبت هامته،وأبه أي نطق،والأبهة النخوة والعظمة،وأبى:ترفع عن الدنيا،ومن حرف الميم ماما-أم-أمَّ من الإمامة والقصد والأمة في ترابطها وحنوها كحنو الأم على أبنائها،ولوحة موشاة مزينة بزخارف أنيقة إنها (الرحابة) وهي السعة،ومن علا:يعلو-والعلو-والعلاء،رحب وسيع لا حدود له،وكذلك العلم لا تحده الآفاق،وتتوحد جميعها أيضاً باسم الله "العليم" . 

والكنوز تتدفق تدفق الأماني ونزوع الأمة العربية للخير يشبه في عطائه الزهر عندما يزهر،وهنا جمال العقيدة،وجمال عقد الزهر، فكلمة رحيمة تضم الجميع كالرحم،وقديماً أطلق اسم صبا على من أسلم ومنها صبا- يصبو وفي اعتناق الإسلام توجه إلى الأعلى صبأ،،والصِبا مقتبل العمر وربيعه،والصبا أيضاً:ريح تهب من ناحية الشرق، 
ولنترك الحديث للحروف والكلمات لوحدها نجد الحلاوة في تقاربها من بعضها حروفا ومعنى فالحصان بفتح الحاء هي المرأة العفيفة حصنت نفسها من الزلل وجمعها حواصن،والحصاة:الفهم وقيل العقل،والعقل يعصم ويحصّن ويصن صاحبه من الزلل، والدكتور فاضل السامراني يشرح لنا دقة تعبير-الحمد لله-فيقول:"كان يمكن أن يقال المدح لله أو الشكر لله،والمدح هو الثناء وذكر المحاسن من الصفات والأعمال،وقد يكون للحي ولغير الحي،وللعاقل ولغير العاقل،لكن الحمد فهو الثناء وذكر المحاسن مع التعظيم والمحبة ويخصص للحيّ العاقل"ويضيف شروحاً جديدة ويقول:"الحمد لله جملة اسمية،والجملة الاسÙ ية تدل على الدوام والثبات بينما الجملة الفعلية ترتبط بزمن معين ولا تفيد بأن المفعول مستحق للفعل فقد نشكر من لا يستحق الشكر بينما الاسمية تفيد استحقاقه للحمد تأكيدا،والحمد صفة القلب،والفرق بين أحمد الله أو نحمد الله فجملة الحمد معرفة بأل وأل تفيد العهد والاستغراق للجنس البشري وهي تفيد الإحاطة والشمول". 
ولنوغل أكثر في دروب الطهر والنقاء والقدسية، ولنبحث في معاجم اللغة عن الاشتقاق من فعل أمن وفيه الطمأنينة والسعادة والراحة فنرى سيلا ًمن الكلم تعبر عن ذات المعنى الحاوي لكل ذلك إنها: 
الأمن-الأمان-الإيمان-الأمنية-الأمانة-اليمن"البركة " -المنون-المنة-الميمنة(أصحاب الميمنة-اليمين)،ومن أراد أن يعب من هذا الحواء الكبير ويشرب منه،بل لينير وجهه من فيض ينابيعه فليبدأ بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والجنة والنار والبعث وبالقدر كله،فمنه المنطلق ومنه البداية،وفي كتاب (حلية الأولياء) للشيخ الإمام الحافظ أحمد بن عبد الله يقول"ما أوتي عبد بعد الإيمان أفضل من العقل،ولسان الإيمان التوحيد،وفصاحة العلم وصحة بصره اليقين مع العقل"والإمام أحمد بن حنبل وفي كتاب(سير أعلام النبلاء)يرشد إلى طريق الهداية للإيمان قائلا ً:"الإيمان قول وعمل يØ يد وينقص،البر من الإيمان،والمعاصي تنقص الإيمان"والرسول صلى الله عليه وسلم يؤكد على العمل في قوله :"العمل من الإيمان" مضيفاً إليه معاني إنسانية في قوله :"الإيمان السماحة والصبر" وقمة هذه التعابير في اسم الله العلي القدير وهو "المؤمن" والإيمان في اللغة التصديق،ويقال آمنه من الأمان ضد الخوف،والله يعطي الأمان لمن استجار واستعان،الله المؤمن الذي وجد نفسه بقوله :"شهد الله أن لا إله إلا هو" وهو الذي يؤمن أولياءه من عذابه،ويؤمن عباده فهو خالق الطمأنينة في القلوب،وفي سورة الحشر في القرآن الكريم أتت على اسمه في قوله تعالى :"هو الله الذي لا إله إلا هو الملك Ø لقدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون" . 

والإيمان المنبع الروحي لكل القيم يزيد تنوعها وتعدادها وفي ذروته الأمانة تتبدى عبر التاريخ صوراً رائعة تثير كل مكامن الطهر والطهارة، فكتاب (حلية الأولياء) يروي حكاية عمير بن سعيد الأنصاري الأوسي المؤمن المؤتمن الزاهد الذي ولاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولاية حمص وشك به بعد أن مكث حولا ًلا يأتيه خبره فأرسل له رجلا ًليطلع على أحواله،ولما رجع من عنده ولقي عمر فسأله:ما رأيت؟!....قال:رأيت حالا ًشديداً، قال:فما صنع في الدنانير؟!....قال:لا أدري، فكتب إليه عمر"إذا جاءك كتابي هذا فلا تضعه من يدك حتى تأتني ، فاقبل على عمر بن الخطاب،فدخل عليه،فقال له عمر:ما صنØ ت بالدنانير؟!....قال:صنعت ما صنعت،وما سؤالك؟!....قال:أنشد عليك لتخبرني ما صنعت بها،وكان عمير وعندما طلبه أمير المؤمنين أخذ الدنانير فشقت امرأته اسفل درعها فأعطته خرقة فجعلها فيها ثم خرج فقسمها بين أبناء الشهداء والفقراء ثم رجع- قال:قدمتها لنفسي،قال:رحمك الله،فأمر له بوسق من طعام وثوبين،فقال:أما الطعام فلا حاجة لي فيه،قد تركت في المنزل صاعين من شعير إلى أن آكل ذلك،وأما الثوبان؟!...فقال:إن أم فلان عارية،فاخذهما ورجع إلى منزله،فلم يلبث أن هلك رحمه الله،فبلغ عمر ذلك فشق عليه وترحم عليه. 
وانتقل الإيمان إلى الأمانة،ومنها إلى الأمنية يقال:"انطلق عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى بقيع الفرقد فقال لأصحابه:ليتمن كل رجل منكم أمنية،فتمنى الجميع خيرة الأماني،وجاء دور عمر فقال:وددت أن لي رجلا ًمثل عمير بن سعد أستعين به في أعمال المسلمين". 
والأمانة،وهي الفرائض التي فرضها الله على عباده في قوله تعالى :"إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن من حملها،حملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولا ً" سورة فصلت-الآية72ولأن الإنسان قبِِل الأمانة واحتمل سبلها ونَعِم بنتائجها الخيرة،ومن ذلك قال الرسول العربي(ص ):"لا تزال أمتي صالحاً أمرها ما لم تر الأمانة مغنماً والصدقة مغرماً" والأمانة موضع مفخرة وفخار فالنابغة الذبياني المتوفى سنة18قبل الهجرة قال في شعر له: 
فألفيت الأمانة لم تخنها كذلك كان نوح لا يخون 
وللإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه رائعته في قوله: 
أدّ الأمانة ، والخيانة فاجتنب واعدل ولا تظلم يطيب المكسب 
وإذا بليت بنكبة فاصبر لها من ذا رأى مســلماً لا يُنكــب 
وفي كتاب(البصائر والذخائر)لأبي حيان التوحيدي حكم حياتية وأوابد مثالية ففيه يقول:"قيل لبعض السلف:ما شيء أوسع من الأرض؟!....قال:الحق،قيل:فما شيء أثقل من السماء؟!...قال:الأمانة والبهتان على البريء،قيل:فما شيء أغنى من البحر؟!....قال:القانع". 
والأمنية والتمني:فالتمني السؤال للرب في الحوائج،وفي الحديث الشريف يقول صلى الله عليه وسلم:"إذا تمنى أحدكم فليستكثر فإنما يسأل ربه" والتمني أيضاً تلاوة القرآن الكريم،وكل شيء آثره الإنسان ويترك سعادة في كوامن نفسه،أما الأمنية فمن جميل القول عنها في الحكم العربية "من نال من دنياه أمنية أسقطت الأيام عنها الألف". 
وفي كتاب (زهر الآداب وثمر الألباب) للحصري القيرواني جاء فيه من وصايا الحكماء" لقي أحدهم رجلا حكيماً فقال:كيف ترى الدهر؟!....قال:يخلق الأبدان،ويجدد الآمال،ويقرب المنية،ويباعد الأمنية،قال:فما حال أهله؟!....قال:من ظفر به تعب،ومن فاته نَصِب،قال:فما الغنى عنه؟!....قال:قطع الرجاء منه،قال:فأي الصحاب أبّر وأوفى؟!....قال:العمل الصالح والتقوى"والأمنية في تعريف لها في كتاب(التعاريف) هي:تقدير الوقوع فيما يترامى إليه الأمل. 

والدعابة والطرفة نجدها كثيرة في كل الكتب القديمة فهي تضفي جواً من السعادة والحبور على قارئها،وفي مجال الأمنية وفي كتاب(ثمرات الأوراق في المحاضرات)لابن حجة الحموي يروي فيه أمنية أحمقين فيقول:"حكي أن أحمقين اصطحبا في طريق فقال أحدهما:تعال نتمّن على الله فإن الطريق تقطع بالحديث،فقال أحدهما:أنا أتمنى قطائع غنم أنتفع بلبنها ولحمها وصوفها،وقال الآخر:أنا أتمنى قطائع ذئاب أرسلها على غنمك حتى لا تترك منها شيئاً،قال:ويحك!أهذا من حق الصحبة وحرمة العشرة،فتصايحا،واشتدت الخصومة بينهما حتى تماسكا بالأطواق ثم تراضيا على أن من يطلع عليهما يكون حكماً بينهما، فطلع عليهما شيخ بحمار عليه زقّان من عسل فحدثاه بحديثهما،فنزل بالزقيّن وفتحهما حتى سال العسل على التراب،ثم قال:صبّ الله دمي مثل هذا العسل إن لم تكونا أحمقين". 
ومن حكم وأمثال العرب القديمة"ربّ أمنية قادت إلى منيّة". 

ويسير في ركب القيم والأصول الإنسانية الحقة بقية الاشتقاقات لتؤكد مجددا عظمة اللغة في الترابط الكبير بين الكلمات والمعاني المتواصلة به،ولربما تفردت لغتنا بهذه الجمالية دون غيرها من اللغات،فمؤتمن القوم:الذي يتخذونه أميناً حافظاً،والائتمان يحمله المؤذن معه طيلة عمره فهو أمين الأمة والناس على صلاتهم وصيامهم،أما المنّة فهي الإحسان بصورته المثلى،والامتنان وهو الحمد،ويرى مؤلف كتاب(صبح الأعشى في صناعة الإنشا)الخير العميم بالامتنان فيقول:"يقال في الدعاء الحمد لله على الامتنان،ومنه تستزيد عوائد الإحسان"وكلمة اليمين لاتخرج عن دائرة النور والصدق Ù العفة،فاليمين كلمة مشتقة من اليمن وهو البركة،واليمين:المنزلة والقسم،وفي الحديث الشريف "يمينك على ما يصدقك به صاحبك" . 

وعود على بدء،ففي البداية كان الخلق،وآدم،وأديم الأرض،واستمرت الحياة والمعمورة يملؤها خير وود وحب وإيمان وأماني،بل وأمنيات حيث ترتاح النفوس،وتخلد إلى السكينة المحببة للأرواح،وحتى الوصول إلى النهاية الأبدية نهاية الكون،ويا لسعادة من كانت الجنة ثمناً لإيمانه العميق،ويا لسعادته فلن يشعر بغربته عن اللغة فالرسول قال وصدق في قوله :"كلام أهل الجنة العربية" . 
وفي رحلة العمر القصيرة وعند سنوات الشيخوخة يحلو قرب النهاية،والأمنية الوحيدة والأخيرة تتجسد في المنون وهو الموت،وفي كتاب (قرى الضيف) يلقي أجمل الوصوف عليها إذ يقول في أبيات شعر وصفية: 
في كل دار تغدو المنون ومن كل الثنايا مطالع النوب 
يفوز بالــراحة الفقــيد وللفاقــد العــناء والتعــب 
خضبتني الأيام لون بياض وخضاب الأيام ليس بناضي 
وتخطتني المنون إلى شعري فأضحى مكفناً ببياض 
ولعمري إني لغير لبيب في قتال الأيام بالمقراض 
ليس شيء على المنون يباعد غير وجه المسبِّح الخلاق 

وبعدها أمن شك في جمالية اللغة العربية؟!.....فلنغب في آفاق قدسيتها الرحبة ولنغبَّ من ينابيعها. 
(source : www.alfikralarabi.org)