palestine-algerie

"نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة"

بهذه الكلمات أعلن الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين، موقفه الذي اهتزت له أركان الكيان الصهيوني، وخلده له التاريخ بأحرف من ذهب، واتخذته الجزائر دربها الوحيد لتكون شريان يضخ دماء الأمل في الجسد الفلسطيني الذبيح.


حطين وارتواء الأرض المقدسة بدماء الجزائريين

لقد ارتبط الجزائريون بفلسطين ارتباطًا روحيًا عميقًا، باعتبار فلسطين أرض مقدسة، ومباركة، ولهذا فإن الجزائريين لا يميزون بين مدينة القدس ومكة المكرمة والمدينة المنورة، ودرجوا على اعتبار أن من حج ولم يُصل بالمسجد الأقصى، فإن حجه ناقص وأنه لم يتم مناسك الحج، وفي هذا اعتبر إمام الجزائر «عبد الحميد بن باديس» أن رحاب القدس الشريف مثل مكة والمدينة وأن الدفاع عنها فرض على كل مسلم.

 

ولقد كان للجزائريين والمغاربة عمومًا نصيب كبير في الدفاع عن بيت المقدس، فقد شارك الجزائريون في جيش صلاح الدين الأيوبي، ومن قبله في جيش نور الدين زنكي، في حروبهم مع الصليبيين لتحرير بيت المقدس، ولعل أشهرهم: «عبد العزيز بن شداد بن تميم بن المعز بن باديس» أحد القادة العسكريين للسلطان صلاح الدين الأيوبي الذي كان له شهرة واسعة في محاربة الصليبيين، وهو من العائلة الباديسية التي أنجبت أيضًا إمام النهضة الجزائرية عبد الحميد بن باديس.

كما شارك أبو مدين الغوث «الجد» في الصفوف الأمامية، لمعركة حطين الشهيرة التي قادها الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي لتحرير القدس، وقد أدت إلى إصابة أبو مدين في ذراعه إلى أن تُوفي ودُفن في تراب القدس، فقد حرر صلاح الدين القدس بمساعدات وتضحيات من أهل الجزائر، الذين استماتوا، ولم يدخروا جهدًا في الدفاع عن مقدساتهم الإسلامية، فارتوت بدمائهم الأرض المقدسة حتى تحررت من الصليبيين.

وربما يعتقد الكثير أن العلاقات بين الجزائريين والفلسطينيين حديثة العهد، بظهور الحروب الصليبية، ولكن هذا الاعتقاد ليس في محله، لأن هذه العلاقات بين الطرفين موغلة في القدم، فقد ارتبط تاريخ الجزائر بفلسطين منذ الأيام الأولى لدخول الإسلام إلى بلاد المغرب، فبالإضافة إلى زيارتهم لفلسطين بعد الانتهاء من مناسك الحج في مكة والمدينة، كانوا يشدوا الرحال إلى بيت المقدس، لإتمام تلك المناسك.

وقد شهدت مدينة القدس خلال العهد الفاطمي، زيادة في أعداد المهاجرين المغاربة، إذ كانوا الغالبية في الجيش الفاطمي الذي دخل بلاد الشام، وقد استوطن بعضهم في مدينة القدس، واستقر المقام بهم هناك، إلى أن شيدوا ما عُرف بـ «حارة المغاربة»، الواقعة في الجهة الجنوبية في القدس بجوار الحرم القدسي الشريف.

وفي العهد الأيوبي وبعد أن حرر صلاح الدين مدينة القدس، أذِن لمن أراد من المغاربة الذين شاركوا في هذا التحرير بالعودة إلى ديارهم، ولكن الكثير منهم فضَّل البقاء في المدينة المقدسة.

ومما يدل على كثرة المغاربة في هذه المدينة المقدسة أن جُعل لهم شيخ يتولى أمورهم ورعاية مصالحهم، ويمثلهم في المحكمة الشرعية، وكان شيخ المغاربة يمثل صلة الوصل بين السكان المغاربة من جهة، وسلطات المدينة من جهة أخرى ممثلة بالوالي، وقد أطلقت عليه سجلات المحكمة الشرعية «شيخ السادات» وفي بعض الأحيان «شيخ المشايخ» و«شيخ المغاربة».


باكورة الالتحام الوطني

في العصر الحديث، ومع حلول الثلاثينات من القرن العشرين أصبحت مواقف الجزائريين واضحة تجاه القضية الفلسطينية، فقد اتصل «مصالي الحاج» (أحد قادرة الحركة الوطنية الجزائرية في ذلك الوقت) بقادة العمل الفلسطيني، حيث أكد لكل من الشيخ أمين الحسيني، الذي التقى به في أكتوبر/تشرين الأول عام 1931، وأحمد حلمي باشا، رئيس حكومة فلسطين، الذي التقى به في نوفمبر/تشرين الثاني من نفس العام، وقد أكد لهما دعم الجزائريين لهم، وبحث معهما طرق دعم القضية الفلسطينية.

 

وقد شارك الجزائريون في المؤتمر الإسلامي الأول في القدس، الذي عقد في ديسمبر/كانون الأول عام 1931، كما أكد المؤرخ الإنجليزي «توينبي» أن المؤتمر الإسلامي الجزائري الذي عُقد عام 1936، جاء نتيجة لمؤتمر القدس رغم الفارق الزمني بين انعقاد المؤتمرين.

ومع اندلاع الثورة الكبرى بفلسطين (1936-1939)، نظمت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وحزب الشعب حملات تعبئة ومساندة وحملات لجمع الأموال لدعم الثوار الفلسطينيين، كما نظمت الحركة الوطنية مهرجان شعبي ضخم بالعاصمة الجزائرية، أشرف عليه الزعيم مصالي الحاج، ودعا فيه لوقف المجازر، وأسس النواب المنتمون لحزب الشعب الجزائري «الهيئة الجزائرية لمساعدة فلسطين العربية»، وفي هذا الإطار استطاع الحزب إرسال بعض الأموال لدعم الفلسطينيين.

وقد أدى المهاجرون الجزائريون دورًا بارزًا في ثورة 1936، فقد شاركوا بثلاثة فصائل، وقد اختص كل فصيل بمهمة عسكرية، ففصيل «صفد» اختص بالهجوم المباغت، وفصيل «حيفا» اهتم بنقل السلاح، وفصيل «طبرية» اختص بنسف أنابيب البترول، فضلاً عن الأمور الأخرى فيما يتعلق بعلاج المصابين وإطعام المجاهدين وتزويد الثوار بالمعلومات.

وقد انتقمت بريطانيا من الجزائريين الذين شاركوا في الثورة، فقد أحرقت دورهم واعتقلت أبناءهم.

ومع اندلاع حرب 1948، تضافرت جهود العلماء والزعماء الوطنيين الجزائريين في تشكيل «الهيئة العليا لإعانة فلسطين»، وقد استطاعت الهيئة في مدة وجيزة، من تجهيز 100 مجاهد وأرسلتهم إلى ميدان الجهاد المقدس بفلسطين، هذا بالإضافة إلى المئات من المجاهدين الذين تطوعوا وتكفلوا بأنفسهم، فضلاً عما جمعته هذه اللجان من أموال.

وشارك الجزائريون في عشرات المعارك ضد الصهاينة خلا حرب 1948، وتعد معركة قرية «هوشة» أشهر هذه المعارك حيث استشهد فيها 35 شهيد، ودامت المعركة من السادسة صباحًا من يوم 15 إبريل/نيسان 1948، إلى منتصف الليل من هذا اليوم.


شريان الدعم الجزائري

احتضنت الجزائر بُعيْد الاستقلال مباشرة مكتب لحركة فتح عام 1963، وقد كان هذا المكتب منطلقًا أساسيًا للفلسطينيين نحو العالم للتعريف بقضيتهم بدعم تام ومعلن من الجزائر، وهذا ما يؤكده خليل الوزير (أبو جهاد)، أحد أبرز القيادات الفلسطينية الذي تولى رئاسة هذا المكتب فترة من الزمن، فقال: «كان مكتب الجزائر نافذتنا السياسية العلنية الوحيدة، وقد استطعنا من خلاله إقامة علاقات متينة وواسعة مع الكثير من حركات التحرير العالمية التي تتمركز في الجزائر، ومن بينها جبهة تحرير فيتنام الجنوبية، والتي مكنتنا من إقامة علاقات للمرة الأولى مع عدد من الدول الهامة من بينها الصين الشعبية وفيتنام الشمالية وكوريا واليابان ويوغوسلافيا وألمانيا».

كما استقبلت الجزائر العديد من الشباب الفلسطيني للتدريب عسكريًا، وآلاف الطلبة في الجامعات والمعاهد فضلاً عن العديد من الاساتذة الفلسطينيين، وقد حرصت الجزائر على تمكين القيادات الفلسطينية من الالتقاء بالوفود الأجنبية التي تزور الجزائر سواء على المستوى الثنائي أو المتعدد الأطراف، للتعريف بالقضية وإقامة علاقات مع مختلف بلدان العالم.

ولا شك أن مرافعة الجزائر المستقلة ممثلة برئيسها أحمد بن بلة، في القمة العربية الأولى التي حضرتها الجزائر عام 1964، من أجل ضرورة قيام كيان فلسطيني مستقل واقتراح إنشاء «جبهة تحرير فلسطينية»، يعتبر دليلاً قاطعًا على المساندة الدؤوبة التي لا يشوبها كلل أو ملل من أجل تحرير الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وقد كان لدور الجزائر أثره الكبير في موافقة القمة العربية الثابتة في ديسمبر/كانون الأول 1964، على إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية برئاسة أحمد الشقيري الذي رافع لصالح الثورة الجزائرية باستماتة في الخمسينات من القرن الماضي من على منبر الأمم المتحدة بصفته ممثلاً للملكة العربية السعودية.

وقد تم اعتماد قضية فلسطين بندًا ثابتًا في أجندة الدبلوماسية الجزائرية والعمل لصالحها على كل المستويات الدولية الثنائية أو المتعددة الأطراف وغيرها، وتقديم كل أشكال الدعم المباشر بدون أي تردد، فعلى سبيل المثال فإن بداية الكفاح المسلح في عام 1965 كانت بأسلحة جزائرية.

ولعبت الجزائر دورا حاسما في القمة العربية السادسة التي استضافتها وترأس أعمالها الرئيس الراحل هواري بومدين، في سبتمبر/أيلول 1973، في إصدار القرار الذي يعتبر منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني وهذا ما أكده الرئيس بومدين في كلمته في اختتام المؤتمر السابع للاتحاد العام للطلبة الفلسطينيين المنعقد بقصر الأمم عام 1974 بقوله:

عندما انعقد مؤتمر القمة العربية الأخير بالجزائر، وضعنا كشرط أساسي لأي عمل عربي موحد في المستقبل هو الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، لأن الذي يهمنا بالدرجة الأولى هو القضية ككل والقضية الأم، ونحن ما نزال متشبثين بموقفنا بقرارات مؤتمر الجزائر التي تنص على أن الممثل الشرعي الوحيد لشعب فلسطين هو منظمة التحرير.

وفي هذا الصدد يؤكد عبد الله حوراني رئيس الدائرة الثقافية في منظمة التحرير الفلسطينية: «إن الجزائر كانت أقوى الأصوات في قمة الجزائر السادسة لصالح منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني».

كما كان للجزائر دورًا بارزًا في إيصال رئيس منظمة التحرير الفلسطينية آنذاك الراحل ياسر عرفات إلى منبر الأمم المتحدة، وكان هذا خلال الدورة الـ 29 للجمعية العامة عام 1974 التي ترأسها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بصفته وزيرا للشئون الخارجية في حكومة الرئيس الراحل هواري بومدين آنذاك، وقد قال عرفات: «لولا الجزائر ما كنت قد تمكنت من إلقاء خطابي في الأمم المتحدة»، وهذا الخطاب الذي جاء فيه عبارته المشهورة:

لقد جئت حاملاً غصن زيتون وبندقية الثائر، فلا تُسقطوا الغصن الأخضر من يدي.

وعلى الرغم من التغيرات الكبيرة التي تشهدها المنطقة في الآونة الأخيرة، إلا أن الجزائر لم تفوت أي مناسبة إلا وتؤكد فيها على موقفها الثابت والداعم لنضال الشعب الفلسطيني.

 

26/08/2016  https://www.ida2at.com