El Qods Ben Badis et drapeau

 

تحية من أرض الأنبياء إلى أرض الشهداء ،تحية من أرض المقدسات إلى أرض البطولات، تحية من أرض المرابطين إلى أرض المجاهدين، ونحن هنا نردد قول الشاعر :

حيي الجزائر واخطب في نواحيها  --- وابعث لها الشوق قاصيها و دانيها

ليس غريباً على أرض الجهاد والاستشهاد، أرض العلم والعلماء، أرض الجزائر الحبيبة أن تحتضن مؤتمراً عالمياً لرجل من خيرة رجالاتها، وأن تنظم ملتقى دولياً بعنوان (الفكر السياسي عند الإمام عبد الحميد بن باديس –رحمه الله-.

لقد أحسنت مؤسسة الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس بالجزائر صنعًا عندما اختارت هذا العنوان المهم (الفكر السياسي عند الإمام عبد الحميد بن باديس) ليكون موضوعًا للملتقى الدولي الذي عقد في الجزائر يومي 19-20/5/2012م، وحيث إن الملتقى يشتمل على محاور متعددة ، وكل محور يتضمن موضوعات مختلفة، فقد رأيت من المناسب أن أختار موضوع (ابن باديس والقضايا الإسلامية) والذي يقع ضمن المحور الرابع ليكون عنوان ورقة العمل التي تشرفت بتقديمها لهذا المؤتمر العتيد.

فلسطين أرض وقف إسـلامي

من المعلوم أن "فلسطين" تعتبر جزءاً من "بلاد الشام" التي تضم الآن كلاً من "فلسطين، والمملكة الأردنية الهاشمية، ولبنان، وسورية"، وكانت هذه البلاد تمثل وحدة جغرافية كبرى، حيث قُسِّمت هذه الوحدة تقسيما ًسياسياً إلى الدول السابقة بفعل الاستعمار بعد الحرب العالمية الأولى وتطبيق اتفاقية (سايكس – بيكو)(1).

ومن الجدير بالذكر أن أرض فلسطين وقف إسلامي لجميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ومما يدلل على أهميتها الدينية أنها تضم بين جنباتها المدينة المقدسة والتي تحتضن أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين الشريفين المسجد الأقصى المبارك، ومن المعلوم أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – لم يذهب بنفسه لاستلام مفاتيح مدينة سوى مدينة القدس، وما فتح الله عليه بالنسبة لأرضها وتقسيم ذلك على الجند ، فعندما تسلم عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- مفاتيح بيت المقدس، وكان من عادته إذا فُتحت أرض على أيدي المسلمين يُقسم أرضها على الجيش حتى تعمر وتزرع، ولكن في فلسطين رفض ذلك، فقالوا له، لِمَ ذلك؟! فقال: هل قَسَّم رسول الله مكة، قالوا: لا، فقال: وهل القدس إلا كمكة، فالقدس مكة، ومكة القدس.

فأرض فلسطين كلها ملك عام، ووقف كلها لجميع المسلمين في الأرض، فهي أرض الإسراء والمعراج، وحادثة الإسراء من المعجزات ، والمعجزات جزء من العقيدة الإسلامية، فارتباط المسلمين بفلسطين ارتباط عقدي، وليس ارتباطاً موسمياً مؤقتاً، ولا انفعالياً عابراً، كما أنها أرض المحشر والمنشر، وقبلة المسلمين الأولى، فأرض فلسطيـن وقف لجميع المسلمين لأنها أرض خراجية (2) وتم افتتاحها بهذه المثابة، وواجب عليهم أن يستعيدوا أرضهم المفقودة، وخيراتهم التي استولى عليها أرباب الشر والمكر.

ابن باديس والقضية الفلسطينية

إن القضية الفلسطينية هي قضية العرب والمسلمين قاطبة، فهي مسرى النبي – صلى الله عليه وسلم – ومعراجه وأولى القبلتين وثاني المسجدين وثالثُ الحرمين الشريفين، وبناء على ما سبق فقد قام المسلمون عبر تاريخهم المشرق بالمحافظة على فلسطين والدفاع عنها أمام الأعداء الحاقدين ، وكان من بين أولئك الرجال والقادة والعلماء الذين حملوا عبء القضية الفلسطينية إمامنا الراحل الشيخ عبد الحميد بن باديس مؤسس ورئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين – رحمه الله –، الذي حرص على الدفاع عن قضية العرب والمسلمين الأولى قضية فلسطين أرض الإسراء والمعراج، على الرغم من الأحوال الصعبة التي كانت تمر بها الجزائر وقتئذ على أيدي المستعمر الفرنسي، حيث يقول د. فهمي توفيق محمد مقبل : (ولعل أهم القضايا العربية الإسلامية التي شغلن ابن باديس أيضا بعد قضية الجزائر، كانت قضية فليسطين، فعلى الرغم من وفاته قبل تأسيس الكيان الصهيوني الباطل بثماني سنوات، إلا أنه بثاقب لصيرته، كان على دراية بما يُبيّت لفلسطين وأهلها...

وأقصى ما كان بمقدوره أن يفعله - وقتذاك - ضدالمخططات الصهيونية المختبئة وراء قوى عظمى معادية لأمتنا، وفي أواخر أيامه - يرحمه الله – قام بإرسال برقياتالاحتجاج إلى وزارة الخارجية الفرنسية ، يكفي الإشارة هنا إلى أن أحد أسباب تأسيس جمعية العلماء المسلمينالجزائريين إلى جانب أمور أخرى تهدف إلى جمع القوى والطاقات وحشدها تحت راية واحدة لمواجهة التهديدات والأخطار المحدقة بالأمة، كان التحضير للمؤتمر الإسلامي الذي عقد في القدس برئاسة الحاج أمين الحسيني (1314-1315 هـ/1896-1975م) في شهر (رجب 1350 هـ= كانون الأول "ديسمبر"1931م )، وكان هدفه توحيد الصف الإسلامي بعد سقوط الدولة العثمانية، لا غرو ، أن ابن باديس أبدى طوال حياته استجابة فكرية وروحية غير عادية لكل ذي صلة، بقضايا عالمه العربي والإسلامي ولم تأخذه أبداً بلاده وشعبه من أمته، بل اتسع قلبه الكبير للجميع)(3).

ومن الجدير بالذكر أن اهتمام الجزائر بالقضية الفلسطينية كان منذ أيامها الأولى ، على الرغم من أن الجزائر وقتئذ كانت تحت الاحتلال الفرنسي، حيث إن الشعب الجزائري وقف سدًا منيعًا أمام هذا المستعمر المجرم يناضل ويصارع من أجل البقاء والانعتاق، ومن ذلك أن قائد النهضة الجزائرية ورائد إصلاحها الديني والاجتماعي والثقافي الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس – رحمه الله – قد كتب في افتتاحية مجلته " الشهاب" الصادرة في شهر جمادي الثانية 1357هـ الموافق لشهر ( أوت 1938م) يقول : " رحاب القدس الشريف مثلُ رحاب مكة والمدينة ، وقد قال الله في الآية الأولى من سورة الإسراء:{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}(الإسراء:1)، ليعرفنا بفضل تلك الرحاب، فكلُّ ما هو واقعٌ بها، كأنه واقعٌ برحاب المسجد الحرام ومسجد طَيْبَة"(4).

لقد فهم الشيخ ابن باديس – رحمه الله – من الآية السابقة مكانة المسجد الأقصى المبارك ، فمن المعلوم أن الله سبحانه وتعالى قد ربط بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى في الآية السابقة التي افتتحت بها سورة الإسراء، وذلك حتى لا يفصل المسلم بين هذين المسجدين، ولا يفرط في واحد منهما، فإنه إذا فرط في أحدهما أوشك أن يفرط في الآخر، فالمسجد الأقصى ثاني مسجد وضع لعبادة الله في الأرض، كما ورد عن الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري – رضي الله عنه – قال: قلت يا رسول الله: أي مسجد وضع في الأرض أولاً ؟ قال: " المسجد الحرام، قلت ثم أي ؟ قال:المسجد الأقصى، قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون عاماً" (5).

ولقد ربط الله بين المسجدين حتى لا تهون عندنا حرمة المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله، وإذا كان قد بارك حوله، فما بالكم بالمباركة فيه ؟!!، كما وورد في الحديث الصحيح عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إَلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هذا، وَالمَسْجِدِ الأقْصَى"(6).

إن هذا الحديث يدل دلالة واضحة على الاهتمام الكبير الذي أولاه الرسول -عليه الصلاة والسلام- للمسجد الأقصى المبارك، حيث ربط قيمته وبركته مع قيمة شقيقيه المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف وبركتهما.

فبالرغم مما كانت تتعرّض له الجزائر من محن وتحديات إلا إن هذا لم يقف حائلاً أما شعور الشيخ ابن باديس بواجبه تجاه قضايا أمته، ومنها قضية فلسطين وتطوّراتها، حيث كانت هذه القضية من أهم القضايا التي تطرّق إليها وتناولها بالنقاش والتحليل، يقول رحمه الله في مجلة "الشهاب": "تزاوج الاستعمار الإنكليزي الغاشم بالصهيونية الشرهة فأنتجا لقسم كبير من اليهود الطمع الأعمى الذي أنساهم كل ذلك الجميل وقذف بهم على فلسطين الآمنة والرحاب المقدسة فأحالوها جحيما لا يُطاق وجرحوا قلب الإسلام والعرب جرحاً لا يندمل"(7).

ويمضي الرئيس ابن باديس في حديثه الدقيق العميق عن فلسطين وابتلائها بشر الصهاينة، فيصدر حكمًا شرعيًا بوجوب مناصرة الأمة الإسلامية قاطبة للقضية الفلسطينية، على ما تتعرض له من نكبات مأساوية كالتي تُرزأُ بها في أيامنا هذه، قائلاًُ: "... كلُّ مسلم مسؤولٌ، أعظمَ المسؤولية – عند الله تعالى – على كل ما يجري هنالك: من أرواح تُزهق ، وصغارٍ تُيتم ونساء تُرمل، وأموال تُهلك، وديار تُخرَّبُ، وحُرماتٍ تُنتهكُ، كما لو كان ذلك كلُّه واقعًا بمكة أو المدينة، إن لم يعمل لرفع ذلك الظلم الفظيع بما استطاع!")(8).

إن هذا الموقف المشرف من الإمام عبد الحميد بن باديس الرئيس الأول لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، يدل على أن القضية الفلسطينية ليست قضية فلسطينية فقط ولا قضية عربية فقط، وإنما هي قضية العرب من المحيط إلى الخليج، والمسلمين من طنجة إلى جاكرتا، والمسيحيين الوطنيين في جميع أنحاء العالم، ومن المعلوم أن فلسطين تحتل مكانةً مميزةً في نفوس العرب والمسلمين، حيث تهفو إليها نفوس المسلمين، وتشد إليها الرحال من كل أنحاء المعمورة، ففيها المسجد الأقصى المبارك أولى القبلتين، وثاني المسجدين، وثالث الحرمين الشريفين ، وفيها التاريخ الإسلامي العريق الذي يزرع نفسه بقوة في كل شارع من شوارعها، وكل حجر من حجارتها المقدسة، وكل أثر من آثارها، كما وتوجد فيها أقدس مقدسات المسيحيين في العالم مثل كنيسة القيامة ، وكنيسة المهد ...إلخ.

وقد سار خلفاء الإمام ابن باديس في رئاسة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين على نهج إمامهم الراحل ونذكر هنا بعض المواقف باختصار :

الإمام محمد البشير الإبراهيمي – رحمه الله: هذا الإمام العظيم الذي كان نصيراً لقضية فلسطين، وكانت خطبه ومحاضراته تشتمل دائماً على الدعوة إلى المحافظة على أرض فلسطين حيث قال رحمه الله :

أيها العرب،

أيها المسلمون!

إن فلسطين وديعةُ محمد عندنا ، وأمانةُ عمر في ذممنا ، وعهدُ الإسلام في أعناقنا، فلئن أخذها اليهودُ منا – ونحنُ عصبةٌ – إنَّا إذاً لخاسرون(9).

وما موقف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين برئاسة الإمام الإبراهيمي عنا ببعيد، حيث دعت إلى نصرة القضية الفلسطينية، كما شكلت الهيئة الجزائرية لإغاثة فلسطين، وقد التقى الإمام الإبراهيمي – رحمه الله – بمفتي فلسطين الراحل الشيخ أمين الحسيني – رحمه الله – الذي شكره على دعم الجزائر علماء وقادة وشعباً لأشقائهم في فلسطين.

الشيـخ عبد الرحمن شيبــان- رحمه الله - : لقد عرفت الشيخ عبد الرحمن شيبان -طيب الله ثراه- معرفة صحيحة عندما شرفت بزيارته ولقائه في بيته العامر قبل أكثر من عامين ، فبعد أن صليت الجمعة في مسجد القدس بالعاصمة وألقيت خطبة كانت بعنوان ( القدس ... مكانة وأمانة ) ، تشرفت مع عدد من الإخوة من أعضاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وعدد من الإخوة الفلسطينيين بزيارة شيخنا -رحمه الله- في منزله ، فأحسن استقبالنا رغم وعكته الصحية وقتئذ ، وأكرمنا أكرمه الله، وشعرت بأنني أمام علم من أعلام الأمة ، ورجل من رجالاتها، وقائد رباني يحمل قلباً كبيراً ، نعم لقد وجدت نفسي أمام جبل أشم رغم تقدمه في السن، محباً لفلسطين وقدسها وأقصاها ، فعرفت فيه الصدق والإخلاص والصراحة، ومضاء العزيمة، والاندفاع في سبيل العقيدة والمبدأ ، وكان له قدم صدق ويد بيضاء في خدمة القضايا الإسلامية والعربية وفي طليعتها قضية العرب والمسلمين الأولى قضية فلسطين والقدس والأقصى التي كان من أكثر المدافعين عنها . لقد كان الشيخ – رحمه الله – محباً لفلسطين وأهلها، وأكبر دليل على ذلك مقالاته المتعددة، وخطبه وبياناته العديدة ، حيث ذكر بعضها في كتابه (الجزائر وفلسطين بين قوة الحق وحق القوة ) .

كما أسهم الشيخ – رحمه الله – في دعم قافلة الجزائر المتوجهة إلى قطاع غزة المحاصر ، حيث قامت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بعد العدوان الغاشم على قطاع غزة بإقامة مستشفى الجزائر في القطاع، مساعدة من الشعب الجزائري الشقيق لأبناء الشعب الفلسطيني المحاصر في قطاع غزة . كما زودنا الشيخ – رحمه الله – بفتوى تتضمن دعوة للأمة بضرورة وقوفها بجانب الشعب الفلسطيني من أجل تحرير فلسطين والقدس والمقدسات، وتحريم بيع الأراضي للأعداء .

كما حملتُ أمانة من سماحة الشيخ  عبد الرحمن شيبان رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين السابق – رحمه الله - ، ذلك الرجل الذي رأيت فيه عزة الجزائر وشموخها ، رأيت القدس في عينيه، وسمعت دعاءه الذي يردده دائماً بأن يحفظ الله المسجد الأقصى و المقدسات والقدس وفلسطين من كل سوء، وأن يمنَّ على شعبنا الفلسطيني بنعمة الوحدة والثبات والنصر .

الدكتور عبد الرزاق قسوم ( الرئيس الحالي لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين ): وسيراً على هدى سيرة رؤساء جمعية العلماء السابقين يسير فضيلة الأستاذ الدكتور/ عبد الرزاق قسوم الرئيس الحالي للجمعية ، متوكلاً على ربه، متبعاً منهج نبينا – صلى الله عليه وسلم – ومسترشداً بسيرة الأئمة الأعلام الذين سبقوه في حمل لواء الدعوة وخدمة قضايا المسلمين، فجزى الله الجميع خير الجزاء .

ونحن هنا نترحم على علمائنا الأجلاء، وندعو بالتوفيق لعلمائنا الأحياء، فالعلماء هم كواكب الأرض والسماء، جمعنا الله وإياهم في جنات النعيم..


الهوامش :

* خطيب المسجد الأقصى المبارك

1- اتفاقية (سايكس – بيكو) سنة 1916م تفاهم سري بين بريطانيا وفرنسا لتقسيم السلطنة العثمانية.

2- والخراج : هو حق للمسلمين يوضع على الأرض التي غنمت من الكفار حرباً أو صلحاً، ويكون عنوة وخراج صلح. راجع : الأموال في دولة الخلافة لعبد القديم زلوم ص47 . نشر دار العلم للملايين، الطبعة الأولى سنة 1983م- 1403هـ.

3- عبد الحميد بن باديس رائد الإصلاح والنهضة في تاريخ الجزائر الحديث، د.فهمي توفيق محمد مقبل ص23-24.

4- جريدة البصائر – الجزائر، ع:91، بتاريخ 8/4/2002م.

5- أخرجه البخاري ومسلم

6- أخرجه البخاري ومسلم

7- أوراق متناثرة في تاريخ الصحافة الإسلامية 2/6.

8- جريدة البصائر – الجزائر، ع:91، بتاريخ 8/4/2002م.

9- البصائر: س2: ع22، 9فيفري 1948م

 

لجزائر ... وفلسطين قامت الثورة الجزائرية لترد وبلغة لا تعرف التأويل، بلغة الجهاد والاستشهاد ، على ما قامت به فرنسا بإعلانها بأن الجزائر قطعة من فرنسا ، مكرسة كل طاقتها لتطبيق هذا الحلم، وهو محو الشخصية (العربية – الإسلامية) بهدم المدارس ومراكز تعليم اللغة العربية وحفظ القرآن الكريم، وبفرض اللغة والثقافة الفرنسية على البلاد لتأبيد بقائها من جهة..

ولقطع تواصل الجزائريين مع عمقهم الطبيعي العربي والإسلامي من جهة أخرى، ورغم كل ما قامت به فرنسا من أعمال في هذا المجال، فقد رد الشيخ عبد الحميد بن باديس عليهم قائلاً :

شعب الجزائر مسلم *** وإلى العروبة ينتسب

من قال حاد عن أصله ***  أو قال مات فقد كذب

فثار الشعب الجزائري البطل مُحْبطاً محاولات المستعمر لتفريقه وتمزيقه، مُوَحِّداً كل قوى العمل الوطني والإسلامي وأحزابه تحت راية جبهة التحرير الوطني، تلك الثورة التي أتت امتداداً لثورات أجيال سابقه، بدأت من القرن التاسع عشر ذوداً عن الهوية والحرية والوطن الجزائري العزيز، فالوطن مهاد لا بد منه، في ظله يأتلف الناس ، وعلى أرضه يعيش الفكر وفي حماه تتجمع أسباب الحياة .

إنها الجزائر جزائر العزة والكرامة والشموخ والكبرياء، بلد الشهداء، بلد المليون ونصف المليون شهيد، أمثال دويدش مراد، والعربي بن مهيدي ، وهواري بو مدين ، إنها بلد العلماء أمثال: الأميرعبد القادر الجزائري، والشيخ عبد الحميد بن باديس، والبشير الإبراهيمي، وعبد الرحمن شيبان .. وغيرهم كثير، إنها بلد الجهاد والنضال التي شكلت نبراساً لكل الثوار في العالم.

وما أن كتب الله النجاح والنصر للثورة الجزائرية العملاقة، وإذ بها تفتح ذراعيها لتحتضن فلسطين الشعب والقضية، حيث أصبحت العلاقات الجزائرية الفلسطينية علاقة متينة ومتميزة، فقضية فلسطين قضية الجزائر الأولى، فقد كانت الجزائر من أوائل الدول التي افتتحت مكتباً للثورة الفلسطينية، كما كانت الثورة الجزائرية محط إلهام للشعب الفلسطيني، فالجزائر دولة ذات ثقل عربي ودولي، ولها تواجد مشرف في جميع المحافل الدولية، حيث اختلط الدم الجزائري بالدم الفلسطيني على أرض الجزائر الطاهرة، وفلسطين الحبيبة ، ولا ننسى مقولة الرئيس الجزائري المرحوم هواري بو مدين (نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة)، كما أن الرئيس الجزائري الحالي السيد عبد العزيز بوتفليقه هو أول من أسمع صوت الشعب الفلسطيني في الأمم المتحدة ، حيث مكن الرئيس بوتفليقه سنة 1974 م يوم كان وزيراً للخارجية ورئيساً للجمعية العامة للأمم المتحدة الرئيس الشهيد ياسر عرفات – رحمه الله – من دخول الجمعية العامة للأمم المتحدة بصفته قائداً للثورة الفلسطينية ورئيساً لمنظمة التحرير الفلسطينية ، وكذلك مشاركة الجزائر في دعم النضال الفلسطيني عبر تاريخه الطويل في جميع المحافل العربية والإسلامية والدولية وبجميع الصور وبكافة الإمكانات، كما أن أرض الجزائر الطاهرة شهدت إعلان الاستقلال وقيام الدولة الفلسطينية سنة 1988 م خلال انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني فيها، حيث كانت عيون كل الفلسطينيين تتجه إلى بلد المليون شهيد، كما أن الجزائر من أوائل الدول العربية التي توفي دائماً بالتزاماتها المالية لصندوق الأقصى التابع لجامعة الدول العربية لدعم الشعب الفلسطيني.

ولا ننسى الموقف المشرف للرئيس عبد العزيز بوتفليقه والحكومة والشعب الجزائري الشقيق خلال العدوان الأخير على قطاع غزة، حيث أرسلت الجمهورية الجزائرية الطائرات الإغاثية للشعب الفلسطيني المحاصر، وكذلك إرسال الوفد الطبي الجزائري لتضميد الجراح لأبناء قطاع غزة، وكذلك إرسال مئات وحدات الدم لإسعاف الجرحى والمصابين، ليختلط الدم الجزائري بالدم الفلسطيني من جديد كما اختلط عبر التاريخ. كما توجد مئات حالات المصاهرة بين الشعبين الجزائري والفلسطيني، وهذا يقوي الروابط الوثيقة أصلاً بين الشعبين الشقيقين، كما تحتضن الجزائر على أرضها الطاهرة المئات من أبناء الشعب الفلسطيني الذين يعيشون حياة آمنة مطمئنة، يتلقون تعليمهم، حيث إن الحكومة الجزائرية تقدم العديد من المنح الدراسية للطلاب الفلسطينيين لإكمال دراساتهم الجامعية، كما ويمارسون أعمالهم في مختلف المجالات بكل حرية كأشقائهم الجزائريين. لم أشاهد التعاطف في عيون الجزائريين مع فلسطين فحسب، بل رأيتهم يحملون هموم فلسطين، لأنهم شعب عانى من أطول احتلال لدولة عربية،حيث احتلت فرنسا الجزائر لمدة مائة واثنين وثلاثين عاماً، شعب قاتل بإيمانه بربه وبعدالة قضيته، وبيقين بأن الاحتلال مهما طال فإنه دوماً إلى زوال.

رأيته في عيون السياسيين والمثقفين أثناء محاضرتي بالمركز الاستراتيجي لجريدة الشعب، وبعيون الأكاديميين والطلبة في محاضرتي بكلية الحقوق بجامعة الجزائر ، وبعين الشريحة الكبرى من الشعب الجزائري أثناء خطبة الجمعة بمسجد القدس بالعاصمة الجزائرية وقتئذ، رأيت شدة الانتباه لكل كلمة أتحدث بها، رأيتهم يتابعونني بكل جوارحهم، ويكبّرون عندما أتحدث عن صمود المقدسيين وتمسكهم بأرضهم، رغم كل الإغراءات والتهديدات لتركها، ورغم كل الاعتداءات المتكررة من أجل تفريغها من أهلها الأصليين ، حيث كنت أتحدث في المؤتمرات الصحفية عن إجراءات التهويد في المدينة المقدسة والاعتداءات على المسجد الأقصى المبارك، وما حدث لقطاع غزة من دمار شامل طال البشر والشجر والحجر أثناء الحرب الإجرامية الأخيرة، فكانت دموع الجميع تنهمر، تعاطفاً مع فلسطين وشعبها. الوحدة الإسلامية ... فريضة شرعية وضرورة وطنية وحدة المسلمين وتضامنهم عمل يمثل قطب الرحى، ويمثل طوق النجاة لسفينة المسلمين، فالمسلمون لن ترتفع لهم راية، ولن يستقيم لهم أمر، مالم يكونوا متضامنين مجتمعين على كلمة واحدة، فقد جاء الرسول صلى الله عليه وسلم على أمة ممزقة مبعثرة فجمعها ووحد كلمتها، ثم جمع العرب على اختلاف أوطانهم وجعلهم أمة واحدة بعد أن كانت الحروب مستعرة بينهم وصهرهم جميعاً في بوتقة الإسلام، وجمع بين أبي بكر القرشي الأبيض، وبلال الحبشي الأسود، وصهيب الرومي وسلمان الفارسي جعلهم إخوة متحابين بعد أن كانوا أعداء متخاصمين ، كما ورد في قوله تعالى: " وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ"  (آل عمران: 130 ).

كما وأزال ما بين الأوس والخزرج من خلاف، وآخى بين المهاجرين والأنصار ، وأصبح المسلمون بفضل الله كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، وقد بين عليه الصلاة والسلام ذلك بقوله : «المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم »(1).

 إن الوحدة فريضة شرعية وضرورة وطينة، لذلك نجد أن النصوص الشرعية من الكتاب والسنة تأمر العرب والمسلمين بوجوب جمع الشمل، ورص الصفوف ، ووحدة الكلمة ، فاتحاد الكلمة أمر جاء به الإسلام ورغب فيه، وحث عليه، والأمة الإسلامية أمة عظيمة خصها الله سبحانه وتعالي بميزتين هما : الخيرية : "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ"(آل عمران : 110).

والوسطية:}وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا{ (البقرة : 143).

كما خص الله الأمة العربية بخصائص عديدة، حيث جعل المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا إليها في أرضها ،كما أن اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم ، ولغة أهل الجنة، لذلك يجب على العرب والمسلمين بصفة عامة والفلسطينيين بصفة خاصة أن يجمعوا شملهم ويوحدوا كلمتهم، وأن يكونوا كالبنيان المرصوص استجابة لقول الرسول – صلى الله عليه وسلم- : "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشُدُّ بعضهُ بعضا ثم شبَّك بين أصابعه"(2).

ورحم الله إمام الجزائر المرحوم الأستاذ الرئيس الشيخ عبد الحميد بن باديس إذ ينبه إلى أهمية هذا الحديث، بقوله: «لقد قرَّر الحديث الشريف معنى الاتحاد الذي يجب أن يكون بين جميع أفراد المؤمنين، على أكمل وجه في التصوير وأبلغه في التأثير فقد شبههم بالبنيان، وذلك وحده كافٍ في إفادة الاتحاد، وزاد عليه التصريح بالشدِّ والتقوية ليبين أن في ذلك الاتحاد القوة للجميع تأكيداً للزوم الاتحاد بذكر فائدته، ثم زاد عليه التصوير بالمحسوس، لما شبك – صلى الله عليه وسلم – بين أصابعه، هذا كله ليبين للمؤمنين لزوم الاتحاد وضرورته، ألا ترى البنيان كيف يتركب من الحجارة الكبيرة، والحجارة الصغيرة، والمواد الأخرى التي تلحم بها الحجارة وتُكسى، وكل ذلك محتاج إليه في تشييد البنيان، فكذلك بنيان المؤمنين فإنه متكوِّنٌ من جميع أفرادهم، على اختلاف طبقاتهم، فالكبير له مكانة ،والصغير له مكانة، وعلى كل واحد أن يسدَّ الثغرة التي من ناحيته، مع شعوره بارتباطه مع غيره من جميع أجزاء البنيان التي لا غناء لها عنه، كما لا غناء له عن كل واحد منها ، فكل واحد من المؤمنين عليه تبعته، بمقدار المركز الذي هو فيه، والقدرة التي عنده، ولا يجوز لأحد، وإن كان أحقر حقير ، أن يخل بواجبه من ناحيته، فإنه إذا أزيل حجرٌ صغير من بنيان كبير دخل فيه الخلل بمقدار ما أُزيل ، وإذا ابتدأ الخلل من الصغير تطرق للكبير ، ثم ألا ترى أصابعك ، وفيها القوي وفيها الضعيف ، حتى إذا شَبَّكْتهَاَ صارت كشيء واحد له قوة ومتانة زائدة ، وكل إصبع منها يمكن أن يُلوى ما دام وحده فإذا شبكتها عَسُرَ لَيُّها، وقَوِيَ أمرها ، فكذلك المؤمنون باتحادهم ، وفيهم القويُّ، وفيهم الضعيف ، تكون لهم قوةٌ عامة زائدة، وكل واحد منهم بمفرده يمكن قهره، فأما إذا اتحدوا فإنهم يكونون – بقوة اتحادهم- في مأمن من كل قهر "(3).

وفي الختام:

إن هذه المؤتمرات تقدم خدمة جليلة للأمة، حيث إن هذا المؤتمر تناول سيرة عَلَمٍ من أعلام الأمة، فعلى أجيال الأمة أن تدرس تاريخها، وتتعرف على قادتها، وكما قال أمير الشعراء:

مثل القوم نسوا تاريخهم *** كلقيط عيّ في الحي انتسابا

أو كمغلوب على ذاكرة *** يشتكي من صلة الماضي انقضابا

نسأل الله أن يحفظ الجزائر وفلسطين وسائر بلاد المسلمين من كل سوء، كما نسأله أن يرزق أبناء الأمة صلاة قريبة في رحاب المسجد الأقصى المبارك بعد تحريره إن شاء الله. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.


الهوامش :

1- خرجه ابن ماجه.

2- أخرجه البخاري .

3- مجلة الشهاب الجزء 7المجلد 7 (بتاريخ غُرَّة ربيع الأول 1350 هـ- جوليت 1930 ).

 

 

https://binbadis.net