Malek Bennabi 2

 

يمثل مالك بن نبي مدرسة فكرية مستقلة بين المدارس الفكرية التي عرفتها الجزائر منذ الحرب العالمية الأولى. فلا هو من تيار المدرسة الاستعمارية التي نشأ فيها أمثاله وأخذوا علمها ولغتها، أي أولئك النخبة الاندماجية أو النخبة الإسلامية التي رضيت بالوظيف بعد التخرج واكتفت بما تطعمها به الإدارة الفرنسية. ولا هو من تيار المدرسة السياسية التي أنشأها الأمير خالد ثم نجم الشمال الإفريقي ثم حزب الشعب، إذ كان ابن نبي كثير النقد لهذه المدرسة ولا سيما أثناء زعامة مصالي الحاج لها. ولم يكن ابن نبي من التيار السياسي الآخر الذي بناه الدكتور ابن جلول وفرحات عباس لأن هؤلاء كانوا في نظره فوقانيين ومنحرفين، ومن ثمة كان أيضا كثير النقد لهم. ورغم أنه كان يحس بالطبيعة أنه من تلاميذ مدرسة ابن باديس فإنه كان أيضا بعيدا عنهم لضيق مجالهم وتخليهم عن دورهم الأساسي في نظره ثم لسذاجتهم. وهكذا كان ابن نبي كثير النقد للمدرسة الإصلاحية أيضا، ولم يسلم من نقده لا ابن باديس ولا العقبي ولا التبسي. ولذلك قلنا إنه كان مستقل الفكر ويمثل مدرسة على حدة.

ينتمي ابن نبي إلى بيئة مزدوجة. ففي قسنطينة حيث ولد سنة 1905، كان يجد حياة المدينة العربية الإسلامية من جهة والمدينة الأوروبية من جهة أخرى. وفي تبسة حيث أصول والدته وحيث درس المرحلة الابتدائية، وجد ألفي سنة من تاريخ الجزائر ممثلة في بقايا الآثار الرومانية وفي الزوايا الصوفية. وفي تبسة أيضا نفس الازدواجية التي لقسنطينة حيث الحضارة والبداوة. ويمثل البداوة قبائل النمامشة وأولاد سيدي يحيى وأولاد سيدي عبيد. بينما المعالم الأوروبية تتمثل في مدرسة السيدة بيل والبلدية المختلطة ومسجلات الأغاني العصرية.

وفي هذه الازدواجية الضاربة في العمق كان المجتمع الجزائري يشهد تحولات كثيرة، فعائلات قسنطينة الغنية كانت (تتصعلك) - حسب تعبير ابن نبي نفسه - وتترك مكانها لعناصر جديدة لا تتورع عن شرب الخمر وممارسة القمار والتخلي عن الملابس المطرزة والطرابيش. إنها عائلات أخذت تفقد أصالتها وتقبل على تقليد الأوروبيين. أما الفقراء فقد كانوا يزدادون فقرا لانتزاع أراضيهم وإعطائها إلى الكولون ولتطبيق قوانين الأندجينا في الغابات والرعي وفقدان التوازن بين المدينة والريف. أما في تبسة فالتحول كان يظهر في أيام الأسواق وجلسات المقاهي وزيارات المسؤولين من جهة، كما يظهر في المظالم التي تجري خارج أسوار المدينة الصغيرة وحيث تبدأ حياة الريف الحقيقية. وزيادة في هذا التناقض والازدواجية كانت جدتا امن نبي ترويان له في صغره ما حل بهم أثناء هجوم الاستعمار الفرنسي على قسنطينة وعلى تبسة وما أصاب العائلات والبنات من هلع وخوف ومن سلب ونهب ومن تشريد وضياع، فكانت الصورة التي تكونت عند ابن نبي وهو في طفولته أن الجزائر مغتصبة وأن الذي اغتصبها هو الفكر الآخر. وأن قومه كانت تنقصهم معرفة وفهم أنفسهم أولاد ثم معرفة وفهم ذلك الفكر الآخر نفسه.

بعد التعلم الابتدائي في تبسة في المدرسة الفرنسية الوحيدة، وفي الكتاب القرآني الذي لم يتجاوز فيه سورة (سبح لله) رجع ابن نبي إلى قسنطينة ليواصل تعلمه في المدرسة الفرنسية الوحيدة أيضا والمفتوحة بقيود لأبناء الجزائريين (الأهالي) الذين يرغبون في التوظف لدى الإدارة الفرنسية في مجالات القضاء أو التعليم أو الترجمة. وهذه المدرسة كانت تستقبل حتى إلى أوائل هذا القرن أبناء الموظفين في تلك الاختصاصات وأبناء القياد وقدماء المحاربين.

ويخبرنا ابن نبي بأن والده كان موظفا في البلدية المختلطة في تبسة وكان صديقا للحاكم الفرنسي (المتصرف الإداري). ومن أجل ذلك حصل على مقعد في مدرسة قسنطينة الرسمية. ولم يكن ابن نبي دون المستوى، فقد كان ذكيا شديد الملاحظة وكثير الطموح. ولكن هذه الميزات لم تكن بالضرورة من المرشحات للدراسة عندئذ، سيما الدراسة الداخلية. ومن المفهوم أنه بقي في تبسة طيلة الحرب العالمية الأولى، لأنه لم يبدأ الدراسة في قسنطينة إلا سنة 1921. كان عمره عندئذ خمسة عشر عاما، وآثار الحرب قد تركت بصماتها السياسية والفكرية المعروفة، غير أن قسنطينة كانت عند دخوله المدرسة تعرف نشاطا جديدا كغيرها من سائر المدن. ظهرت فيها جريدة (النجاح) وحركة ابن باديس التعليمية، وكانت تصلها جرائد تونس بالعربية. وكانت مقاهيها وساحاتها تضج بالحديث عن السياسة والفن والزعامات وحركة الأمير خالد ومسألة الخلافة الإسلامية. ولم يلبث ابن باديس أن أنشأ في قسنطينة جريدة المنتقد ثم الشهاب، ثم صدى تدخلات محمد بن رحال (الخارقة) مطالبا بتعليم اللغة العربية، وقيادة الشيخ الثعالبي في تونس.

قضى ابن نبي أربع سنوات (1921 - 1925) في مدرسة قسنطينة التي كانت تحت إدارة دورنون، ذلك المستشرق الفرنسي الخبير بشؤون الأهالي. وكان دورنون يقوم بالتدريس أيضا، وكان يفتش جميع (دروس) المدرسين المسلمين في المساجد في ولاية قسنطينة ويقدم بشأنهم التقارير لإدارة التعليم في الجزائر. ويقول عنه ابن نبي إنه كان استعماريا حقودا، وإنه كان يفضل الطلبة (الأهالي) الخاملين، ويتوجس من الأذكياء ويعدهم في صف (الشبان الأتراك) الذين كان يطاردهم، ويتهمهم بالشيوعية تارة وبمعاداة فرنسا تارة أخرى. وقد تعرض ابن نبي على يديه إلى عدة مضايقات. وكان يساعده على أداء مهمته الاستعمارية أحد (لشواش) الجزائريين الخبثاء. ومن شيوخ المدرسة تلاميذ عبد القادر المجاوي، وعلى رأسهم ابن الموهوب الذي أثر في ابن نبي واعترف بفضله، وكان ابن الموهوب في هذه المرحلة من زعماء الإصلاح، ومنهم أيضا محمد بن العابد الجلالي صاحب (تقويم الأخلاق) الذي لم ينجذب ابن نبي إلى دروسه رغم أنه كان يدرسهم الفقه والأخلاق.

ولكن الشيخ عبد المجيد قد أثر فيه أيضا لإخلاصه ولأنه اكتشف أنه كان يعادي الاستعمار ويبحث أفكارا متنورة.

تحدث ابن نبي في عدة مناسبات عن آثار رجلين في الحياة العامة بكل من قسنطينة وتبسة أوائل القرن. الرجل الأول هو محمد الصالح بن مهنة الذي كان مدرسا في أحد مساجد قسنطينة منذ الثمانينات من القرن الماضي، وكان ميالا إلى الإصلاح الذي ربما اعتنقه في المشرق عند دراسته بالأزهر، ولكنه كان مصلحا معتدلا، ظهر ذلك في كتبه التي تجمع بين الحديث عن التصوف وعن تحرير العقل. وقد أثار زوبعة في آخر القرن الماضي عندما تعرض لمسألة الأشراف وقال إنهم يحاسبون عن أعمالهم مثل كل الناس وأنهم غير معصومين. وقد تحدث ابن نبي عن صدى دعوة ابن مهنة في قسنطينة أثناء طفولته وربما بقي ذلك إلى تخرجه من المدرسة سنة 1925.

أما الرجل الثاني فهو عباس بن حمانة الذي ترك بصماته على الحياة السياسية والاصلاحية في تبسة أوائل هذا القرن. وكان عباس من المتنورين ومن الرجال المتسيسين الذين لهم صوت في مسألة التجنيد الإجباري سنة 1912. وقد شارك في الوفد الذي توجه إلى فرنسا مطالبا بحقوق الجزائريين. ومن سوء حظه أنه كان في مدينة صغيرة هي تبسة. فكان مستهدفا من الإدارة والكولون هناك لأنه معروف ووحيد تقريبا. ثم إنه أسس مدرسة عربية عصرية كانت الأولى من نوعها في القطر كله وجلب إليها الأساتذة من تونس. ولكن الحاكم الفرنسي هناك وأعوانه لم يغفروا له هذا النشاط فكادوا له وقتل في ظرف غامض. ولكن أثره ظل حيا وقصته ظلت تروى عبرة للسياسيين والمصلحين معا. وطالما ردد ابن نبي هذه الحادثة في كتاباته.

بين 1925 - 1930، لم يستقر ابن نبي على عمل معين، فقد كانت رأسه مفعمة بالأفكار وقلبه مليئا بالأحلام، مثل كل الشبان الأذكياء ذوي الهمم القعساء، ولكنه كان مثل المتنبي يرى (الليالي من خصومه). زار مدينة الجزائر كما زار فرنسا زيارات قصيرة زادت من قناعاته بخطر الاستعمار والتمييز العنصري. وعمل فترة في تبسة ثم في آفلو بالجنوب الغربي من الجزائر. وكل هذه الأعمال كشفت له عن حقائق مذهلة: جبروت الاستعمار وذلة الأهالي، وتناقض الشخصيات الموظفة ونفاقها: فالقاضي كان سكيرا، ورجل الطريقة الصوفية كان دجالا، والناس يغيرون جلودهم كل يوم، فهذا يتحول من مفسد إلى مصلح، وذلك عربيد ولكن قلبه نقي كالثلج، وهذا يتظاهر بما ليس فيه فهو وطني من جهة ومخبر للإدارة الاستعمارية من جهة أخرى. وهناك التنافس الحقير بين رجال الدين الرسميين ورجال الدين الأحرار ورجال التصوف. ولا تسأل عن نفاق الزعماء السياسيين سواء كانوا من مدرسة الاندماج أو من مدرسة الاستقلال. ولكن ابن نبي وجد عزاءه في صفاء النفس لدى المواطنين العاديين وبساطة عيشهم وبقائهم على الفطرة في حديثهم وكرمهم وسلوكهم. إنه المواطن نفسه في ريف تبسة وفي ريف آفلو. ذلك الإنسان الذي رغم ما أصابه من ظلم وتعسف من الإدارة الفرنسية ما يزال محتفظا برصيده الأخلاقي والتراثي والإنساني.

ومع الاحتفال الفرنسي بالذكرى المائوية للاحتلال (1930) غادر ابن نبي الجزائر إلى فرنسا ليدرس. وقد ترك أهله ووطنه واغترب معتقدا أن فرنسا بلد ثورة 1789، كما كان يعتقد فرحات عباس وأمثاله. فإذا كل ذلك كان حكايات في الكتب المدرسية والخيال، أما الواقع فقد كان يعامله كأهلي من (المستعمرة) الجزائر. كشفت له عن ذلك الامتحانات والمسابقات التي كان يشارك فيها والنشاط الذي كان يقوم به في الجمعيات والنوادي. ولكن شخصيته كانت تتكون من كل هذه المكونات. درس في النهاية بمدرسة اللاسلكي. وتزوج من فرنسية اعتنقت الإسلام وتسمت باسم (خديجة). وشارك في أنشطة طلبة شمال افريقية.

واكتشف العالم الآخر من خلال شخصية المستشرق ماسينيون الذي وظفته دولته ليكون عينها على أبناء المستعمرات وعلى القضايا العربية والإسلامية، ومن خلال أولئك الانشقاقيين الجزائريين الذين باعوا أنفسهم (حسب تعبيره) للشيطان، فتنصر منهم من تنصر انتهازية منهم من أجل منصب أو جاه، مثل حنوز، واعتنق منهم من اعتنق مذهب (البربرية) ومعاداة الإسلام مثل حسني لحمق وعمار نارون. واكتشف ابن نبي عالما آخر من خلال منتدى الوحدة المسيحية الذي اشترك فيه وأكل مع أصحابه وشاركهم في نشاطهم. وفي نفس الوقت كان على صلة بالطلبة المغاربة والمشارقة، وهم زعماء المستقبل في المنطقة سياسيا وفكريا. فهناك أحمد بن ميلاد والهادي نويرة وصالح بن يوسف والحبيب ثامر من تونس ومحمد الفاسي وأحمد بلا فريج من المغرب، ومن رفقائه الجزائريين الذين أثروا عليه حمودة بن الساعي الذي بفضله اهتم ابن نبي بدراسة الفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع. أما من المشارقة فقد عرف ابن نبي، فريد زين الدين وعبد اللطيف دراز. كما عرف الأمير شكيب أرسلان وأشاد بنشاطه.

وفي هذا الجو كان ابن نبي يتفاعل. كان يعتبر نفسه (ممثلا) لجمعية العلماء والتيار الإصلاحي رغم أن الجمعية لم تعينه ممثلا عنها وأرسلت بدلا عنه رجالها من نوع الفضيل الورثلاني والسعيد صالحي. وصعق ابن نبي عندما شاركت جمعية العلماء في المؤتمر الإسلامي (1936)، وجاء وفد منها إلى فرنسا مع ابن جلول وفرحات عباس وابن الحاج. وذهب ابن نبي لزيارة وفد العلماء، وفيهم ابن باديس والعقبي والإبراهيمي، وسألهم باستغراب ماذا يفعلون هناك. وهم في نظره قد وقعوا في فخ السياسة الاستعمارية، وكان الأولى بهم البقاء في أماكنهم وبث رسالتهم في الشعب. كما انتقد ابن نبي نقدا لاذعا مصالي الحاج وتحدث عنه بسخرية مرة، ووصفه (بالزعيم)، لأن مصالي كان مهتما بالزعامة أكثر من اهتمامه بالحق الشرعي للشعب. وتطلع ابن نبي خلال الثلاثينات إلى الهجرة إلى المشرق، فحاول السعودية ومصر، ولكن جهوده باءت بالفشل، واعتقد أن (أيادي خفية)، بالإضافة إلى الجهل والتبعية، كانت وراء عدم حصوله على التأشيرة.

ومن الممكن القول بأن شخصية ابن نبي تكونت خلال العشرينات والثلاثينات، تكونت في الجزائر في المدرسة الاستعمارية بتبسة وقسنطينة، وفي المدرسة الشعبية بأرياف آفلو وتبسة، وفي حارات قسنطينة والجزائر العربية. ثم تكونت في فرنسا من خلال مدرسة اللاسلكي والمشاركة في الأنشطة الطلابية والسياسية. وفي نفس الوقت جرت أبرز الأحداث التي تركت بصماتها على تفكيره خلال العقدين المذكورين: آثار الحرب الأولى، وسقوط الخلافة، والأزمة الاقتصادية الدولية، وظهور الفاشية والنازية، وميلاد الجبهة الشعبية، والمؤتمر الإسلامي الجزائري، وأخيرا الحرب العالمية الثانية. لم يقطع ابن نبي خلال الثلاثينات عن زيارة الجزائر، فقد كان يتردد عليها خلال الصيف. وفي إحدى الزيارات علم بوفاة والدته. ولكنه منذ 1939، غادر الجزائر إلى فرنسا، ويبدو أنه لم يرجع إليها إلا بعد نهاية الحرب. ولا ندري تفاصيل حياته بين 1939 - 1946. ولكن من المؤكد أنه أقبل على البحث والتعمق في الكتب الإسلامية، وهو الجهد الذي ظهر أثره في كتابيه الظاهرة القرآنية وشروط النهضة.

قرأ ابن نبي كثيرا من الكتب. كان يبالغ في المطالعة في الكتب الأدبية والتاريخية والفكرية. وسواء كانت الكتب عن الإسلام وحضارته أو عن الفكر البشري عموما، فالرجل كان يلتهم الأفكار ويحتفظ بها لوقت الحاجة. وفي مذكراته نعلم أنه تأثر منذ صغره بمجموعة من المؤلفات. ومنها رسالة التوحيد للشيخ عبده، والإفلاس المعنوي للسياسة الغربية في الشرق، لأحمد رضا، وفي ظل الإسلام لايبر هاردت. ومنها كتب فرنسية وأوروبية وأمريكية عديدة، أمثال لوتي، وفارير، ولامرتين، وشاتوبريان من الفرنسيين، وجون ديوي الأمريكي، ولا شك أنه قرأ أيضا فرويد وماكس ويبر وريان وداروين. وقد ذكر أنه تأثر بطاغور الهندي، ولعله درس أيضا آثار محمد إقبال. ولكنه عب من التراث العربي الإسلامي كثيرا، وقد ظهر ذلك من مصادر كتبه الأولى. وفي نفس الوقت كان يقرأ جريدة الحزب الشيوعي الفرنسي (الإنسانية)، والكفاح الاجتماعي، والجرائد العربية سواء تلك التي تصدر من تونس أو من الجزائر، وكذلك جريدة (الأمة العربية) لشكيب أرسلان. وكما تشبع ابن نبي بالفكر الإصلاحي تشبع أيضا بالفكر القومي فآمن بالوحدة العربية وحارب الانشقاق، وكان يحضر جلسات في مقهى يستمع إلى الطلبة يلقون قصائدهم في تمجيد العرب. وتغلب على كتبه مسحة الأسلوب الأدبي والتحليل العلمي معا. ويقول ابن نبي عن نفسه إنه كان وطنيا، ولكنه لم يكن منتميا إلى هيئة أو حزب. وهكذا احتفظ باستقلاله الفكري وحرية النقد.

ولكن استقلاليته وحريته لم ترضيا كل الناس، وربما جلبتا له المتاعب. إن تمرده الظاهري على اللباس التقليدي (وهو في تبسة وقسنطينة) ومغامرة الأولى في فرنسا، وزواجه من فرنسية، وانضمامه إلى منتدى الوحدة المسيحية، واختلاطه بشباب من الفرنسيين واليهود، وأخذه من الأفكار دون تمييز، وقراءته الإنجيل وغيره منذ وقت مبكر، وعيشه في بيئة فرنسية، أحيانا في الريف وأحيانا بالمدن، وصداقته لأشخاص هويتهم غير معروفة مثل جو كلاري (محمد الشريف) الفرنسي الذي قيل إنه اعتنق الإسلام، واختيار ابن نبي العيش في فرنسا أيام تبدل الأيدي عليها (1940 - 1945)، كل ذلك يجعل دارسي ابن نبي يتوقفون ويتساءلون قبل أن يصدروا أحكامهم. وعندما حل ابن نبي بالقاهرة سنة 1956 حصل على حق اللجوء والإقامة. وأخذ يتفاعل مع أنشطة المؤتمر الإسلامي الذي كان يشرف عليه عندئذ أنور السادات. كما أن مصلحة الاستعلامات المصرية كانت تنشر كتبه. وكان ابن نبي عندئذ يعيش في حالة رعب خاص إذ كان يتصور، وهو في منزله بالمعادي (ضاحية بالقاهرة) أنه (مراقب) ليلا ونهارا. من المخابرات الأجنبية، ولا ندري إن كان ذلك حقيقة أو كان مجرد وسواس. ولكن حسبنا من هذه الفترة الإشارة إلى استقلاليته حتى في الوقت الذي اندمج كل الجزائريين الوطنيين في بوقتة واحدة وهي (جبهة التحرير) لمواجهة الخطر الذي يتهدد وجود بلادهم.
ويعنينا هنا من كتبه تلك التي صدرت له قبل 1954. وهي لبيك والظاهرة القرآنية وشروط النهضة. ويمكن أن نضيف رابعا، وهو في مهب المعركة، الذي قيل إنه جمع فيه مقالاته بين 1946 - 1954 في جريدة الجمهورية الجزائرية والشاب المسلم. وقد تعرضنا إلى كتبه في مكانها من الفصول. ويكننا أن نقول هنا فقط إن مصادر الظاهرة القرآنية تشير إلى عمق أفكاره الإسلامية وكثرة قراءته واستعداده لمعالجة موضوع هام كالإعجاز القرآني والنبوة والتوحيد بأسلوب تحليلي جديد على القارئ العربي المتعود عندئذ على سرد الحوادث وقلة النقد والأحكام المستعجلة والعامة. ومن أبرز ما جاء به ابن نبي في هذا الكتاب هو استخدامه التحليل النفسي في الموروث الديني.

أما شروط النهضة فقد بناه على تجاربه في قراءة التاريخ الإسلامي عموما وتاريخ المغرب العربي خصوصا. فقد تعرض فيه إلى مراحل التاريخ الزاهرة والباهتة، ثم ركز فيه أحكامه على التيار الوطني وما فيه من تفريعات، وله بالطبع أحكامه الخاصة عندئذ في المدرسة الإصلاحية ومدرستي حزب الشعب وحزب البيان. وقد رأينا مقالاته التي نشرها في جريدة الشاب المسلم فكانت تعكس تفكيره التقدمي والوطني الذي يسير في اتجاه جمعية العلماء، وهي التي كانت تصدر هذه الجريدة بالفرنسية لتقديم الفكر الإسلامي (السلفي) إلى الشباب المتعلم في المدارس الفرنسية.
إن لابن نبي نظرية خاصة به في مسيرة الحضارة الإنسانية، وقد خصها بعض الباحثين بدراسات شاملة ومقارنة مع نظريات أخرى قديمة ومعاصرة، مثل نظرية ابن خلدون ونظرية توينبي ونظرية شبنقلر. وابن نبي يؤمن بأن الخضارة تمر بدائرة وتعبرها عبورا جديا دائما، وكل حضارة تحافظ على نفسها باستجابة محددة من المتشابهات المتعاقبة وهذه المتشابهات تتألف من عناصر ثلاثة هي الإنسان والتراب والوقت. وكل مجتمع يمر حضاريا بمراحل ثلاثة هي قوة الدفع، وهي بالنسبة للحضارة الإسلامية عصر النبوة (فترة الحكم بالقرآن) والخلفاء الراشدين إلى معركة صفين. وشهدت المرحلة الثانية ازدهار الثقافة الإسلامية والحضارة، وهذه المرحلة قد استمرت، في نظره، إلى سقوط دولة الموحدين في المغرب العربي (القرن السابع الهجري) وتتمثل المرحلة الأخيرة في الجمود والانحطاط الذي أصاب الحضارة الإسلامية. وكان الهم الذي شغل ابن نبي هو البحث عن سبيل للخروج من هذا الانحطاط والجمود واستعادة دورة التاريخ الحضاري في جدليته الخالدة والبحث عن نقطة الانطلاق الجديدة. فدرس ابن نبي ظاهرة التخلف وقابلية الاستعمار، وحاول إيجاد سبيل للتغيير الذاتي بناء على الآية الكريمة: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}. ولعل ذلك يعني في نظره التخلص قبل كل شيء من (القابلية) للاستعمار والتخلف، ومواجهة ما يسميه بصراع الأفكار في العالم (1).

 

(1) بالإضافة إلى معرفتنا الشخصية لمالك بن نبي، اعتمدنا في هذه الدراسة على مؤلفاته، ولا سيما مذكراته، والمدخل الذي كتبته السيدة أسماء رشدي للترجمة الإنكليزية لكتاب ابن نبي (وجهة العالم الإسلامي)، الباكستان، 1988. ومقالاته في جريدة (الشاب المسلم)، وجريدة (البصائر) عدد 9 سبتمبر 1938، وبحث محمد العربي معريش (ابن نبي والحركة الوطنية) بإشرافنا، وأطروحة السيدة فوزية بريون عن نظرية الحضارة عند ابن نبي وتوينبي (جامعة ميشيقان)، وكتاب أسعد السحمراتي (مالك بن نبي مفكرا إصلاحيا)، ومقدمة محمود شاكر للظاهرة القرآنية، ط. 3، 1968، وغيرها.

(https://binbadis.net)