Malek Bennabi 3

لا يبعد موقف مالك بن نبي من التاريخ عن موقف الإبراهيمي، فهما متقاربان، ولكن ابن نبي أعطى التاريخ معنى أعمق وأوسع، فهو يقول: (كل شعب يجب أن يصنع تاريخه برسائلهالخاصة، وبأيديه ذاتها،) والتاريخ في أي مستوى من الحضارة يتم إنجازه إنما يمثل النشاط المشترك للأشياء والأشخاص والأفكار المتاحة في ذلك الحين بالذات، أي في نفس الأوان الذي يواكب عملية إنجازه ... من هنا يجب أن نحلل التاريخ إلى أجزائه الذرية: فالنشاط الفردي يمثل ضمن بعض الشروط المعينة (ذرة) من التاريخ، ويمكننا أن نمثله ضمن أكثر أشكاله بساطة، في صورة نشاط الصانع اليدوي المنكب على عمله والمقص في يمناه، أو في صورة نشاط الجندي المسلح ببندقيته في ميدان القتال، فهذان الآدميان يصنعان التاريخ إذا تحقق لهما توفر الشروط العادية (الإنسان وأدواته) (وكيف يكون ذلك؟ ... ولماذا يكون؟ ...) وإلا يكون العمل عبثا أو مستحيلا (1).

حقيقة إن ابن نبي تحدث عن صنع التاريخ وليس كتابته أو منهجه، ولكنه في النهاية جعل الأشياء والأفراد كلهم يشتركون في صنع (ذرات) التاريخ في نفس الوقت، وفي لحظة ما من نبض الزمن، وبذلك يكون التاريخ هو حقيقة أمة بأسرها، كيف تحس به، كيف تتمثله، كيف تلده؟ ذلك هو سر التاريخ لكل أمة، ولن تنوب عنها في إعطائه الحياة أية أمة أخرى.

 

(1) ابن نبي، آفاق جزائرية، القاهرة، ط 2، 1971.

 

(https://binbadis.net)