beau stylo

إن الأدب صورة صادقة لمعاناة المجتمعات المحرومة من أبسط حقوق الحياة والمستعبدة والمظلومة في شتى أنحاء المعمورة من قبل قوى تريد أن تبسط سيطرتها على المستضعفين، وتسنّ لهم قوانين صارمة ليعيشوا وفقها، فتكون هي السيدة وهم المسودون، لذلك يجيء أدب الثورة والحرّية ليشكّل " لوحده سفرا ضخما من أسفار الأدب في العالم ... هو يسوح الأزمان، ويجول الأمكنة والقارات ليتلاحم معا في شجرة ضخمة، عملاقة "(1)، ذات تسميات متباينة، ولكنها تصبّ في مجرى واحد، منها أدب الكفاح والجهاد ومنها أدب المقاومة ومنها أدب الثورة والتمرد ... إلخ

ولقد " انطلقت الثورة الجزائرية – بطريقة غير متوقعة من قبل السلطات الاستعمارية – فجر يوم أول نوفمبر 1954، في شكل عشرات الهجمات من الثّوار على مراكز الجيش والدرك والإدارة الاستعمارية واتخذ الثّوار معاقلهم في الجبال، وبين الفلاحين"(2)، وفي كل بقعة من القطر الجزائري، فانطلقت معها أقلام الأدباء والشعراء الجزائريين والعرب مؤازرة لها بروائع من قرائحهم الأدبية، وحين كانت نار الثّورة تزداد اشتعالا كانت الأقلام الأدبية تسيل في كل مكان مواكبة لأحداثها ومصوّرة لنيرانها ومعاركها الطاحنة، ومبرزة لسيماتها وأبعادها المختلفة وممجدة لأبطالها وتتجلى صورة الثورة الجزائرية في هذه الأشكال على النّحو التالي:

‌أ.         أبعاد الثورة الجزائرية في الشعر العربي :

1- البعد الوطني : من معاني الوطنية ارتباط مجموعة كبيرة من الناس بمنطقة معيّنة من الأرض بها يحيون وإليها ينتسبون، تجمعهم مقوّمات خاصّة تميّزهم عن باقي المناطق الأخرى من المعمورة التي تدعى الأوطان، وانطلاقا من هذا، فإن البعد الوطني في شعر الثورة يختص به الشعر الجزائري، ويقوم على تعبير أبناء الجزائر من الشعراء عن قضيتهم الوطنية في مقاومتهم للإحتلال الفرنسي، ووصفهم لأجيج نار الحرب التي خاض غمارها الأبطال من بني بلدتهم، فكثيرة هي الأشعار الجزائرية التي حملت النزعة الوطنية وركّزت عليها في زرع روح الحميّة في نفوس السّكان الجزائريين وأحسن مثال على ذلك إلياذة الجزائر للشاعر الثائر مفدي زكرياء، التي تغنّى فيها قائلها كثيرا بالجزائر، ورفعها لتصبح ممثلة للجمال الإلهي على الأرض :

" جزائـــر يا مطلع المعجـزات      ويا حـجــّة الله فـــي الكائنــــــــات

 ويا بسمة الربّ فــــي أرضه      ويا وجهه الضاحك القسمات "(3)

ورفعهــــا لتكون آية للسّحر وجنة مــــن جنائن بابــــل الأسطوريـــة

" جزائــــــــــــر يـــا بدعـــة الفاطـــر       وــيا روعـــة الصانــــــــــع القـــادر

 ويا بابل السحر من وحيها       تــــلـــقـــب هـــــــاروت بالســـــاحــــــــر "(4)

فكانت ثورتها محطّ دهشة للعالم بأكمله حتّى أضحت محور الكون بنارها وأشعارها الثورية المتلوة في كل مكان، النابعة من صميم حبّ شعبها لها.

" ويا ثورة حار فيها الزمان        وفــــي شعبها الهادئ الثائــر

ويا وحدة صهرتها الخطو        بُ فقامت على دمها الفائـر

 

شغلنا الورى وملأنا الدنا

بشعر نرّتله كالصلاة

تسابيحه من حنايا الجزائر"(5)

ويعتبر مالك حداد الثورة الجزائرية لحظة مقّدسة، توهب له فيها حياته، كما يركز على الجزائر باعتبارها داره وقراره، وهل هناك مكان أكثر حبا وعزّا وذكريات أحسن من الركن الذي ينزوي إليه الإنسان بعد عناء يومه، يحمل أحلامه وبؤسه ؟ ذلك هو وطن الإنسان مرتع الحبّ والحنان الذي لا بديل له عنه في جميع الأوطان. يقول مالك حداد في هذا الشأن باللغة الفرنسية :

" ... إنّي لأعشق تلك اللحظة التي تهبني الحياة

سأسمي تلك اللحظة

أصغوا إذن !

سدّوا آذانكم جيّدا

وافتحوا قلوبكم على مصراعيها

سأسميها ؟ رفاقي الذين سأعانقهم عن قريب

سأسميها ؟ داري حيث تنتظريني أمي بصبر نافذ

سأسميها ؟ رفيقة القيثارات المحطّمة

سأسميها الجزائر ... "(6)

ويشيد الشاعر صالح خباشة بالثورة الجزائرية التي هي عبارة عن صرخة للثوار واكبتها طلقات المدافع والرشاشات وللذوذ عن أرض الجزائر، دار الشاعر التي يريد الغرب تحطيمها، ولكن هيهات لأن الجزائريين مازالوا يدفعون ضريبة الدم حتى النصر فهو يقول.

" اسمعوها صرخة مـــن كـــل ثائـــر       صرخــــــــة المـــدفـــــــع والرشـــاش هــــادر

 وحدة القطر وشعبي في الجزائر      غـايـــــة الثــــوار فـــي أرض المــــفــــــاخـــــــر

 يـــا بــــلادي أنــــا أقـــســـمــت بثـــاري       أنــــــــا دون النصــــــــر لا تخمـــــد نـــــاري

 ألـــف جيــــــل مستــــعــــدّ للطـــــواري       فاحذروا اليوم – بني الغرب – قراري

 لــــــن تمسّـوا اليـوم بالتقسيـم داري       لــن تمـــدوا يـــدكــــــم نحــــــو الصــــحــــــاري

 فاسمعوها صرخة من كــــل ثائـر       لن تنالوا أيّ شبر في الجزائر"(7)

" وتأتي نظرة – الشاعر – محمد الأخضر السائحي وهو يناجي وطنه هو الآخر متشابهة لنظرة محمد الهادي السنوسي، فالسائح وهو يخاطب وطنه على لسان ثائر لا يعبأ بالموت ولا يرهبها، إنّه وقد اختار درب النضال، فدماؤه وحياته كلّها فداء لوطنه الحبيب الذي إن مات من أجله، فأبناؤه سينعمون بعده في وطنهم المفدّى بحياة ملؤها العزة        والكرامة "(8) يقول السائحي في هذه المعاني :

" أنا حرّ وهذه الأرض أرضي        سوف أفـــــدي حياتـهــــا بحياتــــــي

 سوف أبني أمجادهــــا وأروي        بدمائـــــي مروجهـــــــــا النضــــــــــرات

 فتدفّق يا أيّــــــــــها الـــدم حـــــــــــرا        واجْرِ في هذه الذرى الشامخات

 أنا إن متّ هاهنا اليوم فابني       سوف يبقى وسوف تبقى بناتـي"(9)

ومن الأقلام الشعرية التي تناولت الثورة الجزائرية بالإشادة والتمجيد بروح وطنية معتزة ببلدها الجزائر الشاعر عبد العالي رزاق حين يقول مصوّرا وطنه الثائر بيد الفلاح الذي لم يعد يهتم بحمل فأسه من أجل الحرث وإنّما غدا مدافعا عن وطنه ببطولة وثبات :

" كل ما أعرفه عن وطني

قصّة ثائر

كان فلاحا، على كتفيه

محراث، وفأس ... وبشائر

عيناه بيادر "(10)

وفي شعر محمد بلقسام  خمار نزعة وطنية  نابعة من اعتزازه بالجزائر وأوراسها، منبع الثورة التي يؤيّدها شعب برمّته على أرض تحتدم نيرانها، وتزلزل كيان المستعمر، فهو يقول على سبيل المثال لا الحصر :

" وفي الجزائر، في الأوراس ملتهبا       شعـــــــــاره أنّنــــا للمجـــــد ننتقــــم

 جيـــــش يعزّزه شعــــب بأجـــمــــعـــــــــــه       أرض تزلزل والهيجاء تحتدم"(11)

2- البعد القومي : تعتبر القومية العربية واحدة من الرّوابط التي تجمع مجموعة كبيرة من شعوب تنتمي إلى العروبة بصلة وثيقة. هذه العروبة التي تخلق فيهم مشاعر أخوية ومشاركات وجدانية يهتزّ لها كيانهم من المشرق إلى المغرب، فما يصيب قطرا منهم من رزايا، تهتزّ لها نفوس أناس الأقطار الأخرى، فالقومية إذا هي " حب الأمّة والشعوب بارتباط وطني نحوها "(12) وتجمعهم مقومات متأصّلة في جذور التاريخ توحدهم أينما حلّوا.

وعلى هذا الأساس، قام الشّعراء العرب يمجّدون ثورة الجزائر ويصفون إحساسهم إزاء نارها الملتهبة التي تحرق العدو، وتشعل شمعة مجد الجزائر معتبرين قضية الجزائر وحربها هي قضيتهم الخاصة وحرب العرب عموما ضد قوى الظلم والطغيان. يقول سليمان العيسى في قصيدته " ميلاد شعب " التي أهداها لثوار الجزائر :

" جراحنا ذاك الذي ينزف نارا وكفاحا

واحد لم ينقســم إلاّ مياديـــــنــــــا وســــاحــــا "(13).

" فالشاعر يقرّ بأن هذا الجرح واحد سواء كان في أقصى المغرب أو المشرق، ويصرّ على عدم انقسامه "(14) إلاّ باختلاف ميادينه وساحاته، وهو يقول أيضا في إحدى قصائده "

" يا صقور الجزائر السمــر عيـــــــــدي      وقصيدي لكم، ووهج احتراقـي

يا دوي الرّصاص زغرد على " الأو      راس " باق عرس العروبة باق

لن نردّ السيوف فــــــي الغمــــــــد حتــّــى      نلتـــــقــــــي تحـــت بندنـــا الخفّــــاق "(15)

لقد اعتبر سليمان العيسى الثوار الجزائريين صقورا ينقضّون على المستعمر، فلا يبقون فيه باقية كما وصف دوي الرصاص في ساحة الوغى بالزغاريد التي تعلن عرس العروبة وتعيد للعرب مجدهم الذي أراد الغرب أن يطفؤه بغطرستهم وتسلّطهم وغدرهم، فها هو شاعرنا مفدي زكريا يثبت للرأي العربي عروبة الجزائر وكفاحها الذي هو امتداد لكفاح الأمة العربية بأسرها ضد الظلم والطّغيان، فلا يكتمل العزّ العربي إلاّ باستقلال الجزائر، فهو يقول في قصيدته " فلا عز حتّى تستقل الجزائر :

" ويــــــا عربـيــا فـــي بــــلاد شقـــيــــقــــة       عروبتنا من يستطيع لها نكرا ؟

 فــــــــما حربـــنــــا إلاّ امتـــداد لثــــــــــــورة       أراد لها من كان يخذلنا خسرا

 فلسطين في أرض الجزائر بعثها       فمدوا يدا نخم المعاقل والثغرا"(16)

ولقد كان الشعراء العرب يتتبّعون أخبار ثورة الجزائر وما يحدث في أرضنا من مجازر دامية يندى لها الجبين، وغاية فرنسا من ورائها القضاء على انتفاضة الشعب الجزائري وضم الجزائر إليها نهائيا لتغدو قطعة فرنسية، ولكن هيهات أن يتحقّق حلمهم هذا، الذي هو أقرب إلى السّراب منه إلى الحلم، لأن الجزائر قطعة من المجد العربي، فلن تكون لأحد أبدا لأنها لا تباع ولا تهدى لأيّ شخص مستبد، وفي هذا المعنى يقول الشاعر العراقي حارث طه الراوي في قصيدته " ديغول يا شيخ الطغاة " :

" ديغول يا شيخ الطغـاة       سلمــــــت للــــــدولار عبـــــــــــدا

 الوحش يأنف أن يــــرا        ك ولــــــــــو رآك الآن صــــدّا

 ســــل منطــــق التاريـــــخ       ما عقبى اللئِم إذا استبـــــــدّا

 أرض الجزائر لن تبـا       ع كما ظننت فكيف تهدى ؟

 هـــــي للكماة الرافعيـــــن       علــــــــى ذرى الأوراس بـــنــــدا

 هــــــي للعروبة أقسمـت       أن تستعيــــــد اليـــــوم مجــــــدا"(17)

ويقف الشاعر العراقي خالد الشّواف مشيدا بحرب الجزائر التي يعتبرها امتدادا للنصر العربي على الثورة الفرنسية، وبأن خطط ديغول من أجل فرنسة الجزائر لا يمكن أبدا أن تلغي عروبة الجزائر الممتدة عبر حقب تاريخية طويلة إذ يقول في قصيدة بعنوان               " الجمهورية الجزائرية " :

" يوقـــــظ التاريــــــخ منـــــهــــــــــا ظـــفـــــر       عربي فــــوق خــــذلان فــــرنــــــســـــــي

 يعجز الدستور أن يطوي حمـــى       عربيـــــــا بـــــــسطـــــور فـــــوق طـــــرس

 كل شـــــــيء يـــا فرنـــــسـا غـيـــــر أن       ينطوي جنس كما شئت بجنس(18)

وعندما فجّرت فرنسا قنبلتها الذرية في صحراء الجزائر سنة 1960 ... أنشد عبد الله الجبوري – العراقي – بهذه المناسبة قصيدة قال فيها : " فجري يا فرنسا الذرة فإن الشعب الجزائري له دم عربي يغلي في الحروب، وسيأتي يوم انتقامه من مظالمك"(19) لأن الشعوب المقموعة ستثور لا محالة في سبيل عزتها وكرامتها، فأمة العرب وضح شرفها السامي من خلال الثورة الجزائرية التي غدت مفخرة كل العرب وهؤلاء غدوا مفخرة العالم إذ يقول :

" فــــــجّــــــري الـــــــذّر للشعـــــــب دم       عربي في الوغى يضطرم

 واسفحيه في الثرى وابتسمي         يا فـــــرنـسـا فغــــدا ينـــتــــــــقــــــم

 كل شعب جثــــم الضيــــم بــــــه         فـسـبـــيـــــل العـــز قــــيــــد ودم

 أمّة العـــــرب تسامــــت شـــــرفـــــا        يفخــر الدهـــر بهــــا والأمـــــم "(20)

إن ثورة أبطال الجزائر تلتقي مع الوحدة العربية من الشرق إلى الغرب لتتغنى بالحرية والعدل العائدين إلى أرض العرب مرة أخرى، ولتتغنى بالمجد العربي الذي سيعلو شأنه أمام جميع بلدان العالم، فيقول الشاعر عبد المعطي حجازي في إحدى قصائده في هذا الشأن :

" يا روح الريح الشرقية

 يا نسري

 ليظل جناحك في المغرب يخفق

 وليصح جناحك في المشرق

 ولتحملك الريح الشرقيه

 لتظل رأس الفارس وهو ينادي :

 الحرّية

 الشعب الواحد من بغداد إلى الدار البيضاء

 والأرض لأبناء الأرض الفقراء

 آنذا يا أيام العرب الخضراء

 أشهد ميلادك في الظلمه "(21)

ويكتب الشاعر العراقي أحمد الدجيلي قصيدته " تحية أبطال الجزائر " يمجّد فيها البطل الجزائري، ويدعو للقيام تحية له، لأنها تعتبر تحية للعروبة التي وضعت على جباهها أكاليلا من المجد فهو يقول :

" قم حيّ أبطال الجزائر      من كل ثائرة وثائر

 حيّ الشباب على ذرى أوراس تقحم بالمخاطر

 حيّ الدم العربي أشرق كالضحى كالفجر زاهر

 حيّ نداء الثائرين على المنابر والمنائرْ

 حيّ العروبة قد أقيم من الشباب لها مجازر "(22)

هذه أمثلة عن البعد القومي الذي صبغ به الشعراء العرب الثورة الجزائرية في وقفتهم معها بأشعارهم، متعاملين معها على أنّها ثورة للأمة العربية جمعاء، وأنّ مجدها الذي تنشده هو مجد للعرب في جميع أصقاع المعمورة، فهل توقف الأمر عند العروبة وحدها أم تعداها إلى أبعاد أخرى ربطت مجموعة أكبر من سكان العالم.

3- البعد الديني : لقد أضفى الشعراء العرب عموما والجزائريون على الخصوص على الثورة الجزائرية طابعا إسلاميا معتبرين إيّاها جهادا إسلاميا ضدّ الجاهليين وضدّ الظلم والطغيان من حملة الصليب، فيقول مفدي زكريا في قصيدة " نظمها بمناسبة الذكرى الثالثة للثورة سنة 1957 وهو في سجن البرواقية "(23) مشبّها فيها ليلة أوّل نوفمبر بليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، لأنّ فيها ينجلي الحق للعيان. الحق في الحرية والكرامة، كما انجلى فيها الحق الإلهي في عبادة التوحيد للخالق سبحانه وتعالى وحده دون أيّ شريك :

" دعـا التاريـــخ ليلــــك فاستجـــــابــــــا       " نوفمبر " هل وفيت لنا النّصابا

 وهل سمع المجيب نداء شعب        فكانــت ليـــــــــلــــــــة القـــــــــدر الجــــــوابــا

 تجلّى ضاحك القسمات تحكي        كـــــواكـــــبـــــــه قــــــــنــــــــابـــــلـــــه لـــــــهــــــابــــا "(24)

كما جعل هذا الشاعر المناضل اندلاع ثورة التحرير انصياعا من الشعب الجزائري للأمر الإلهي لأن الله – حسب الشاعر – هو الذي أذن باندلاعها، لأنها إعلاء لكلمته وللإسلام في بلد أراد الغزاة تحويله إلى ديانة أخرى مسايرة لهم، فأصبح نوفمبر مقدّسا قداسة تضاهي قداسة غزوة بدر، التي رمت بالشرك والكفر جانبا، وأعلنت راية الإسلام خفاقة في ربوع الوطن الحبيب، فهو يقول في هذا المعنى :

" تــــــــأذّن ربُّـــك ليــــــلـــــــة قـــــــــــــدر        وألقى السّتار على ألف شهر

وقال له الشعب : أمرُك ربّي         وقال لــــه الربُّ : أمرك أمــري !!

.........

نوفمبر غيّرت مجرى الحيـــاة         وكنت نوفمبــر مطــــلـع فجــــــر !

وذكّرتنا فــــــي الجزائـــــــــر بــــــدرا         فقمنا نضاهــي صحابــــــة بـدر "(25)

من جهة أخرى نجد الشاعر حسن عبد الله القرشي يضفي هو الآخر قداسة على الثورة  الجزائرية ويشبهها بفتح طارق بن زياد لبلاد الأندلس، لأنها ترفع راية الإسلام عالية وتقضي على الطغاة من حملة الصليب إذ يقول في قصيدة له بعنوان " كفاح مقدس – وثوار الجزائر"

" قد عاد طارق وعاد السمح للفتوح

 ودوّت الجبال بالنشيد والسفـوح

 والبشريات هلّلت والأمل الطموح

 ففي المحيط الأطلسي فجرنا يلوح "(26)

ويعتبر الشاعر التونسي عبد الله الزناد دفاع الثوار عن أرض الجزائر دفاعا عن العروبة والإسلام ودعوة للحق الإلهي فهو يقول في هذا :

" شعب الجزائر نادى           بواضح الصوت يجهر

 أريــــــــد فــــكّ قيـــــــــودي          مـــــــــن غـــاصــــــب تنـكّــــر

 وقـام للثّــــــــــأر شعــــــب          بـجـــــبـــــهـــــــة يـــــــتـــــــــحــــــرّر

 رأى البــــلاد تقـــــــاســــي         فهـــــــــبّ فـــــــــورا شــــــمـّـــــــــــــر

 رأى العروبة تشـــــكـــــو          ظلما فــــــقام يــــــــزمــــــــجــــر

 للدين أمسى غضوبا          فجـــرّد الســـيـــــــف يشهّـــــر

 لله يـسعــــــى ويــــــدعـــــــو         للـحـــــــق بـــــــات يقـــّـــــرر "(27)

ورغم ما يقرره البعض من أنّ هذه الأبيات " خالية من روح الشعر "(28) إلاّ أنّها تبقى في سجل الشعراء المؤازرين للثورة الجزائرية ومع الشعراء الذين لم يقفوا صامتين أمام تأجج نار الكفاح ضد الظلم والطغيان في أرض الجزائر.

وللشّاعر صالح خرفي قصيدة " الجزائر ومولد الرسول " فيها " يخلص إلى التأكيد أنّ ثوار الجزائر ما هم إلاّ امتداد طبيعي لمجاهدي الأمة الإسلامية، ثاروا من أجل إحياء الإسلام وإعادة أيامه الحافلة بالأمجاد والبطولات"(29) حتى تخالهم عين الناظر إليهم أنّهم جزء لا يتجزّء من مجاهدي أحد وبدر فهو يقول :

" ففي أرض الجزائر خير جنـد            يــــقــــيــــم لغابـــــر الإســــــلام ذكـــــرى

 كأنّك فيـهــــــــم (بعـــــــلـي) ينــــــــادي           لقد وعـــد الا له الخلــــــــق نصــــــرا

 فهبّوا لاقتتـــحـام النّــــــــار وابنــــــــــوا           علــــــــى جثث الفدا للمجد جســــــــرا

 وسيــف الله يذكيهــــــا فيــمــــــضــــــي          كأسرع من وميض البـــرق ســـــــرى

 فليت العين منك رنــــــت إليـــــــهـــــم          إذا لتــــــــذكـّـــــرت " أحـــــــــدا وبـــــــــدرا "(30)

4- البعد المغاربي والأفريقي : لا يتوالى بعض الشعراء العرب أن يصبغوا ثورة الجزائر أو بعض أبطالها بصبغة مغاربية نظرا للموقع الجغرافي الذي تتموقع فيه الجزائر باعتبارها جزء من المغرب العربي ومن قارة أفريقيا، فها هو الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي يتحدث عن أبطال الجزائر ناسبا عيونهم إلى المغرب العربي حيث يقول في هذا الصدد :

 

" باسمهم غنّيت، غنّوا للسلاح

 للعيون المغربية

 في الخيام العربيهْ

 تتحدّى الموت في " أوراس " في ليل الجراح

 باسمهم غنّيت، غنّوا للصّباح "(31)

كما حاول الشاعر محمد الفيتوري أن يضفي على القضية الجزائرية " الطابع الأفريقي في شعره بحكم الواقع الجغرافي والانتماء القاري ... "(32)، فهو يقول عن الثورة الجزائرية :

" إنّي أحني رأســـــي كبــــــــــــرا

 إني أحفظه في إكبار فأنا أفريقي

 وجزائر بن بلا إفريقيـــــــة

 ما أجمـــــــل أن يصحــــــــو إنســــــــــان

 فإذا التاريخ بـلا قضبان

 وإذا الثــــــــــورة فــــــــــي كــــــل مـــــــكـــــــــان

 تركـز أعـــــــــلام الحـــــــريــــــة

 في أرضي ... فـــــي أفــــــريقــــــــيــــــــــة "(33)

أما الشاعر الفلسطيني محمود درويش فيصّور الجزائر بأنّها ذات كبرياء في كل مكوّناتها وأن شمس أفريقيا ساطعة على أوراسها في إباء رغما عن الظلم والطغيان، فغدت أشجار الزيتون فيها مشانق للمستعمرين والمستبدين إذ يقول في هذا :

" في بلاد ... كلّ ما فيها كبير الكبرياء

 شمس أفريقيا على أوراسها قرص إباء

 وعلى زيتونها مشنقة للدّخلاء "(34)

ويتحدث الشاعر التونسي أحمد اللغماني عن الثورة الجزائرية ضمن حديثه عن انتفاضه المغرب العربي وأفريقيا " فيقسم بالأطلس الكبير، وبكل ما يرمز إليه وبالجهاد، وبالثالوث المغاربي، وبأرواح الشهداء، وبآهات ودموع الثكالى واليتامى بأن الجميع سيعلنونها ثورة وسيشعلونها نارا في ربوع إفريقيا، تأتي على الأخضر واليابس "(35)، فهو يقول :

" بأطلسك الشهم أفريقيا

 وتربتك البرّة الخيريّة

 بآفاقك النيّرة

 بحق الجهاد ومجد القتال

 حلفنا بتونس أرض الفداء

 ومراكش الحرّة الشامخه

 بمجد الجزائر ذات الشمم

 بأرواح أبنائها الشهداء

 حلفنا بغرغرة الأبرياء

 بدمع اليتامى

 بنوح الثكالى

 وندب الأيامى

 حلفنا بأفريقيا الغاضبه

 تدمدم كالرعد كالصاعقه

 وتأتي على الذلة الحانقه

 تكون المبيدة والخالقه "(36)

ويأتي الشاعر الجزائري أبو القاسم سعد الله، فيصف ثورة الجزائر التي كانت خامدة لسنين طويلة في قارة سمراء ركنت إلى الغربان والجرذان لتعيث فيها فسادا، حتىّ كادت الحياة أن تنعدم فيها، بالرغم من أنّها جنّة ساحرة في الأرض، لولا أن هبّت فيها رياح الثورة على حين غرة من الأوراس، فكانت كالسّيل العارم الذي قضى على كل عفونة، ومهّد السبيل لحياة أفضل إذ يقول في هذا المعنى :

" أفريقيا

 بأرضنا الحنون

 يا توت، يا تفاح، يا زيتون

 يا جنة نام بها رضوان

 واستسلمت في حضنها القرون

 فرتعت في دوحها الجرذان

 وحلّقت في أفقها الغربان

 بدون صاد ... ولا نسور

 كم سار آدم فيك بلا كساء

وكم بكت حمائم سمراء

وكادت الحياة أن تغور

 ولولا رياح ثائرة

لولا دماء فائره

ساحت من الأوراس مثل السّيل

وفتحت أمامنا السبيل "(37)

5- البعد الإنساني : تكتسي الثورة الجزائرية برداء إنساني لأن الإنسانية جمعاء عانت من الظلم والطغيان والاستبداد عبر مختلف الأزمنة، فمنذ أقدم العصور والإنسان يكابد شقاء واستغلالا حطّه عليه أخوه الإنسان المستبد، الذي لا تهدأ نفسه، حتّى يغدو هو السيّد المتحكّم في زمام أمور المستضعفين في هذه المعمورة. يقول الشاعر محمد مهدي الجواهري في قصيدته " يوم الجزائر " مندّدا بالظلم والاستغلال حّاثا الجزائريين على الكفاح والاستبسال للقضاء على الطغاة، ناظرا إلى قضيتهم نظرة إنسانية :

 

" ردّي علقم المــــوت لا تجزعـــــي          ولا ترهبي جمــــرة المصــــرع

 فما سعرت جمــــــــــرات الكفــــــــــاح           لغيـر خــــلـــــيــــق بهــــــــا أروع

 ولا تهنــــى أن ســــــــــوم الفــــــــخـــــــــار          شقّ علــــى الهيـّــــــــن الطيّــع

 دعـي شفرات سيوف الطـــــــغـــــــــاة          تطبق منـك علـــــــى المقطـع "(38)

" ولم يخرج السياب عن هذا الإطار الإنساني، إذ كرّس جل قصائده له. وهو ينظر للثروة الجزائرية من هذا المنطق، ففي قصيدته " جميلة بوحيرد " يعبّر من خلالها عن مأساة الإنسانية، وعمّا تلاقيه في ظل الاستعمار من اضطهاد وقهر وظلم، وقد استطاع أن يجسّد لنا لوحات مأساوية تبعث في نفوسنا الحقد والكراهية للممارسات اللاإنسانية "(39)، ويبرز هذا البعد الإنساني في قوله مثلا :

" ونحن في ظلمائنا نسأل

من مات ؟ من يبكيه ؟ من يقتل ؟

من يصلب الخبز الذي نأكل ؟

نخشى إذا واريت أمواتنا

أن يفزع الأحياء ما يبصرون "(40)

وفي بعض أبياته من قصيدة " بنت وهران قلب الجزائر النابض " يتحدث الشاعر العراقي أحمد الدجيلي عن التضحية في سبيل الوطن، وأن الدم وحده هو ما يقضي على الظلم والاستعباد، وهو وحده الذي يخلق في الشعب المزيد من العزم والاستمرار في المقاومة فإذا رخص هذا الدم نال الشعب حرّيته وحقه وكرامته إذ يقول في هذا الشأن :

" انشُري الذكرى عل  الدنيا لواءا       ودعـــــي الموكب يمشـي خيـلاءا

 واصمدي للموت ينسـاب إلــــــــــــى       أفْقُــــكِ اللاهـب صبحـــا ومســـــاءا

 فـالـدّم الحـــــــــرّ علـــــــــى أعتـــــابــــــــــه       ينـحــــــر الظـــــلــــــمَ فيـــرتــــــدُّ هبـــــــاءا

 فالـدم المهراق سيــــــف مصـــلــــــتٌ       يفلق الهـــــــام احتـــــقــــــــارا وازدراءا

 والدم المسفـــــــــــــــوح مــــــن قـــــــوّتــــــــه       يستمدّ الشعب عــــــــــزمـــا ومضاءا

ارخصيــــــــــه لتـنــــــــــالــــــــي ظــــــــفـــــــــرا        باسمه أو تأخذي الحقّ جـــــــــزاءا "(41)

ويصوّر الشاعر العراقي إبراهيم خطاب الزبيدي(42) معاناة جندي في ساحة الوغى وهو يكتب رسالة إلى زوجته والموت يحيط به من كل مكان، والدم حوله وديان تسبح فيها جثث القتلى، وقد تدفق أمامه جند العدو كالجراد في الحقول، إذ يقول في قصيدته " من شفاه  النار " وهي رسالة من ضابط جزائري حر إلى زوجته وهو في ساحة المعركة :

" إنّي لأكتب من هنا. مـــن ربـــوة         مـــــــــزروعــــــــة بالـــــنّـــــار ليْســـــتْ تُـــــورقُ

 الرعـدُ يملؤني فـــــلا تستــــكــــــثــــــــري         أن تشربَ الرعـدَ الحـــروفُ وتُـــــشــــرقُ

 حولي الدخان يكاد يغرق ربوتي         لا. ربــــــوتـي بدخـانـــــــــهـــــم لا ـ تـــــغــــــرقُ

 في عيني الأشلاءُ تسبحُ والدّمــــا          تجتاح درب (كتيبتي) ... هل يغلقُ

 وأمامي الأوغادُ قد ملأوا الرّبــــى          مثل الجراد على الحقول ... تدفّــــقوا "(43)

وتبدو البطولة في صورتها الإنسانية واضحة في قصيدة حسن البياتي " فتى من الجزائر " فبطله يتغلب على عواطفه، ولا ينصاع لتضرّع أمه إليه بالبقاء إلى جانبها، فيقول لها : " اتركيني يا أمي فإنّ رفاقي المجاهدين في انتظاري هناك على رؤوس التلال، توقفي سنرجع عندما يلوح فجر الحرية مشرقا على سحب الآلام مبدّدا ظلمتها " (44):

" دعيني فالرّفاق على انتظاري      هنــالك فـــــوق هـــــــامــــــــات الــــــــرّوابـــــي

 سأمضي ليس تثنيني قيـــــــــــود       وفــــــــي قــــــلــــــبـــــــي دمـــــــاء لــلشّـــبـــــــاب

 ويـــا أمـــــــاه كفّــــي الدمــــع إنــــي      سأرجع في الصحاب مع الصّحاب

 سنرجــــــعُ والظــــلام طــــواه قبــر      ورفّ الفــجــــر يــــــبـــــــســــــم للسّـــــــحــــابِ "(45)

ب- تصوير أجيج الثورة :

لقد قام الشعراء العرب عامة والجزائريين خاصة برسم صورة صادقة وحقّة عن الثورة وهي مستعرة النيران، وعن الظّلمة وهم يمدّون أيديهم إلى قيم الجزائريين وأرواحهم، يريدون اقتلاعها من جذورها، حتى يتسنّى لهم الاستيلاء على هذا القطر الأبي، وتحويله إلى رقعة تابعة لهم قلبا وقالبا. يقول الشاعر العراقي سليمان هادي الطمعة في قصيدة " الجزائر الدامية " واصفا مواجهة المجاهدين الثوار للجيش الفرنسي بكل عزم وثبات، شاهرين أسلحتهم في وجهه، حتى يحصدوا الظلم بعدما نزعوا عنهم ثوب الرّهبة فلا عاد الموت يرعبهم، ولا عاد المستعمر يُرهبهم :

" زحفة الفليق، يا نفس اشهدي         موكب الظلم، وهولَ المَشْهدِ

واعبُري جسرَ المنايا واصمُدي         واكسري بالعزم قيد المعتدي

فـــلـــــنا اليـــــــــومَ ســـــــــلاح شاهـــــــــرٌ         يحصد الخصم بليـــلٍ أســــــوَدِ

لا نهابُ المــــوتَ مهمـــــــا بلغَـــتْ         سطـوةَ المستعـــمــر المستعبِــد "(46)

ويقول شاعرنا مفدي زكريا واصفا الثورة التي اشتعلت وأتت على العدو كما أتى السيل الجارف على العفونة، فلم توقفها فيالق العدو، ولا فرقها، إنّما سار الجيش نحو النّصر المبين بمعونة الملائكة، ومباركة الرّحمن وذلك في أبياته التي منها :

" نادى المنادي إلى التّحرير يدفعها       فاستصرخت من قيود الحجر تنعتقُ

ثارت على الظلم مثل السيل جارفة       فــــــــــلا الفـــيـــالـــق تـــثـــنـــيــهــا ولا الفـــــــرقُ

جيش إلى النصـــر تحـــدوه ملائـــكـــة       مسوّمـــون بــمـــــــوج المـــــــوت يـــنــــدفــق "(47)

كما يعبر شاعرنا أبو القاسم خمار عن ثورة الجزائر التي انفجرت كالسيل بين الخيام  لإيقاظ النيام من غفلتهم، وتمسح عن قارّتنا غبار السنين، وظلم البشر، الذي حّط منذ سنين طويلة حيث يقول :

" جزائر .... جزائر

 توثّب شعب

 تحرّك كالسيل بين الخيام

 يهزّ النيام ... يدكّ السحب ...

 يمرّ بكفين ناعمتين

 على قسمات القمر

 فيسمح عنها غبار السنين

 وظلم البشر

 على أرض أفريقيا "(48)

ويصور الشعر التونسي أيضا مختلف ضروب القمع والاستغلال البشع للفرنسيين في الجزائر وأبنائها ومن أمثلته قصيدة الشاعر – التونسي – محمد العربي صمادح بعنوان        " الإعدام الجماعي "، وهي طويلة جدا، مقسمة إلى عدّة أقسام إذ يصف في القسم الرابع منها وحشية الجيش المستعمر في اقتحامه لأحد الأحياء ورجالها غائبون في الجبال، فلم يلفوا أمامهم سوى النساء والأطفال، فعاثوا فيه فسادا إذ يقول :

" وتقدموا من كل صوب يرعدون

 متأبطين سلاحهم يتساءلون

أين الرجال ؟

ما من رجال

إلا الطفولة والنساء والعاجزون

أَمَضَوْا إلى قمم الجبال يقاتلون ؟

أين السلاح ؟

ما من سلاح

فدوى الرصاص

في الطفل في ذلك العقاص

وتساقطوا مثل الذباب

أشلاء ما بين الشعاب

والجند في نزواتهم يتسابقون

مثل الذئاب فينهبون ويغصبون

         . . .

سكبوا الوقود - على المنازل – من قصب

فإذا اللهب

يأتي على الدنيا ويلتهم العباد

ومزارع القمح الفسيحة والبهائم والعتاد

والصخر والأشجار والعشب المزركش والقتاد "(49)

إن الشاعر العراقي أحمد مطلوب كذلك " يقرر أن الشعب الذي زلزل الجبال لم يعد انتصاره حلما من الأحلام، ولا سرابا من الخيال فصوت الحرّية انطلق من الجزائر لينتشر في العالم بفضل الكفاح والنضال "(50) وذلك في قوله :

" أيّها الشّعب الذي هزّ الجبالا

لم يعد نصرك حلما وخيالا

صوتك الحرّ تسامى وتعالى

يملأ الدّنيا كفاحا ونضالا "(51)

" ويشيد الشاعر المغربي محمد علي الهواري بالتضحيات الجسيمة التي قدمها الشعب الجزائري الثائر، منوها بصموده وثباته وتحديه لأعدائه رغم  ما لقيه من محن وويلات "(52) فهو يقول:

" باسم المجازر في العرائش، في العراق وفي القسنطينة

باسم النضال نضالنا من أجل ثورتنا الثمينة

والجرح يجمعنا وكره القيد والدم والمصير

والبؤس والحرمان والتشريد والصنم الأجير

والذل والجلاّد والإعصار واليوم الكبير

باسم الدم المسفوح في الوطن الأسير

باسم الضحايا من أجل ثورتنا الحبيبة

باسم الثوار وشعبنا العربي في أرض الجزائر

بالاسم اسمك يا جزائر أنشد

هل تقبلين منّي النشيد ؟ "(53)

ويرسم الشاعر العراقي سليم الرشدان لوحة جميلة عن كيفية اشتباك الثوار الجزائريين مع الجيش الفرنسي في الجبال وذلك في قصيدته " في قافلة الأبطال " إذ يقول :

" دوّى النفير فهزّ هامات الرّبى والليلُ أمسى

 فتحفّز الأبطال كالآساد، بل وأشدّ بَاْساَ

 وتسابقوا نحو المُنونِ ... كأنّما يبغون عُرْساَ

 ليجابهوا كالسّيل أبناء الغواية من فرنسا

 ويلقّنوهم من معاني نُصرة الأوطان درسا "(54)

arabité

 

ج- تمجيد أبطال الجزائر :

لقد قام الشعراء الجزائريون والعرب عامة بنظم أشعار أشادوا فيها بالكثير من أبطال الجزائر الذين قدّموا أنفسهم ضريبة لهذا الوطن المفدّى، غير أنّ الجميلات الثلاث وخاصة           " جميلة بوحيرد" هن من استقطب أنظار الرأي العام، وقد أفرد الشعراء العرب " لجميلة بوحيرد " الكثير من الأشعار، إذ يقول عنها الشاعر العراقي سعيد إبراهيم قاسم في قصيدة بعنوان " البطلة جميلة " (رمز كفاح المرأة) :

" أختي جميلة والأسى يدمي فؤادي في الحياة

 مـــــا أنـــــت إلاّ زهـــرةٌ ذبلـــــت بتعذيــــــب الطّغــــــــاة

           في غيهب السّجن المريب

 من صوتك الحلو الجميل سمعت ألحان الكفاح

 فعلمتُ سرّ العيش في الدّنيا بسيف أو ســـــــلاحٍ

           فلتشتعل نارُ الحروبِ " (55)

كما يقول عنها الشاعر العراقي أيضا سليمان الرشدان في قصيدته " في قافلة الأبطال جميلة " مشيدا ببطولتها وبسالتها التي جعلتها تتخلى عن نعومة النساء لتتقدم الشجان في ساحة الوغى حاملة المدفع والرشاش، تنطلق منهما ألسنة النيران :

" رأيتُها ... الغيدُ في النعماء ترفُل بالحريــــــرِ ؟

 تمضي تعانق مدفع الرشاش ينطق بالسّعيِرِ

 وتخوض ميدان الكفاح تردُ عاديـــــــة المُغيــــرِ

 تتقدّم الشجعان لا ترتاع من هول المصيــــــرِ

 سمراء لوّحها اقتحام السدّ في اليوم العسيــــــرِ ؟

          أعرفت ما معنى البطولة

          هي ذي وقد عبرت سبيلهْ "(56)

ولم يتوان الشاعر العراقي عبد الكريم الملاَ عن تمجيد بطولات الشعب الجزائري مقدما لنا صورة عن بسالة مصطفى بن بولعيد الذي يعد جبلا في الكفاح يضاهي جبل الأوراس في النضال والثورة فهو يقول :

" بولعيد يا جبل الكفاح تحيـــة       لكم ترف عواطــــف الإخـــــوان

فعلى جبينك عزم شعب ثائـــــر      صلـــب العقيـــدة راســخ الإيمان

أوراس ميدان الكفاح وأنـــــت ذا      أوراس ثان فــــــــي دم وجنــــان "(57)

كما يمجّد شاعرنا مفدي زكريا الشهيد العربي التبسي الذي ساهم كثيراً في زرع الوعي في نفوس الجزائريين من خلال جمعية العلماء المسلمين غير أنّ يد الشرطة الفرنسية اغتالته بعد أن ألقت عليه القبض سنة 1956(58) وفيه يقول أنه ينير درب أبناء تبسة بالعلوم ويبت فيهم دعائم الأصالة ومقوماتهم التي أراد المستعمر القضاء عليها، ثم يترحّم على شهيد الثورة لأنه ضحّى بنفسه في سبيل نور الحرية :

" وتقـــــفـــــو تبســــة آثــــارهـــــا(59)    تباركها هبــــــوات العـــصــــــور

ويدفعهـــا العــــربـــيّ التبســــي       الشهيدُ فتحتل عرش النسور

ويُجري العلوم بأوصــالـــهــــا       حياة، أصالتــهـا فـــي الجُذور

على العربيّ الشهيد صلاةٌ        مضرّجــــــةُ بـــــدمــاءٍ ونُــــــور "(60)

" ويُعبر الشاعر المغربي أحمد صبري عن إعجابه بصمود الثوار وتحديهم لأعدائهم وذلك على لسان أحد ثوار الجزائر هو " أبو كبور "(61)، الذي كان زميلا له في الدراسة والذي مات شهيداً في سبيل الجزائر التي ظل يهتف باسمها، عاشقا لها، إلى درجة أنّه وشم على صدره صورة لقلب كتب عليها اسم وطنه " الجزائر "(62)، إذ يقول :

" تقلّدتُ البندقيه

ووشمتُ على صدري

في الجهة اليسرى : قلبا

كتبت فيه : الجزائر

آه الجزائر

وتدحرجت على قمم الأوراس

نسرا كمليون نسر

وجريت في هضاب عنّابة

ومَغنيهْ "(63)

أخيرا نختم قولنا بأن ثورة الجزائر قد ألهمت المئات من الشعراء العرب ليعبّروا بأقلامهم عنها وعن لهيبها، وتجود قرائحهم بأروع الأشعار المخلدة للآلام وللبطولات وللنيران المستعرة في أرض الجزائر، والتي سلطها المستعمر الغاشم على هذا الشعب الأبي، فنفض عنه غبار السنين الطوال ونهض نهوض رجل واحد عملاق متحديا الذبابات والرشاشات والقنابل ومحوّلا كفة التاريخ لصالحه الخاص، فكانت " كلّ طلقة رصاص تنبعث زوبعة من الورود، فتتفجّر غيمة من عطر يداعب روحك، ويأخذ بيدك ليدخلك عمق النضال والجهاد والاستشهاد في الأحياء البسيطة المتواضعة(64) وفي كل شبر من هذا الوطن الغالي الذي اتجهت نحوه عواطف الجزائريين والعرب كلهم مواكبين أحداثه، صانعين من شعر شعرائهم ملحمة شعرية غنّاها الدهر بعد أن لحنتها القلوب.

 

الهوامش :

1-    د. جليل كمال الدين " الشعر والثروة والحرية ". من كتاب " الشعر والثورة ". (مختارات من الأبحاث لمهرجان المربد الثالث 1974. منشورات وزارة الإعلام – الجمهورية العراقية 1975. ص 181.

2-    عثمان سعدي " الثورة الجزائرية في الشعر العرقي ". ج1. المؤسسة الوطنية للكتاب. الجزائر. 1985. ص 11.

3-    مفدي زكريا " إلياذة الجزائر ". إعداد مربعي الطاهر. دار المختار للطباعة والنشر والتوزيع. الجزائر . 2009. ص 6.

4-    المصدر نفسه. ص 7.

5-    المصدر نفسه. ص 7.

6-    د. جليل كمال الدين " الشعر والثورة والحرية ". من كتاب الشعر والثورة. (مختارات من الأبحاث المقدمة لمهرجان المربد الثالث). 1974. ص 224، 225.

7-    صالح خباشة " الروابي الحمر ". الشركة الوطنية للنشر والتوزيع. الجزائر 1970. ص 164.

8-    مصطفى بيطام. " الثورة الجزائرية في شعر المغرب العربي ". (1954 – 1962). (دراسة موضوعية فنية). ديوان المطبوعات الجامعية. الجزائر. 1998. ص 223.

9-    محمد الأخضر السائحي. " همسات وصرخات ". المطبوعات الوطنية الجزائرية. الجزائر 1965. ص 17.

10-        انظر : د. عبد الله الركيبي. " الأوراس في الشعر الحديث ودراسات أخرى ". الشركة الوطنية للنشر والتوزيع. الجزائر 1982. ص 108، 109.

11-        انظر : المرجع نفسه. ص 13.

12-        وهيب طنوس. " الوطن في الشعر العربي ". منشورات جامعة حلب. كلية الآداب. مديرية الكتب والمطبوعات. 1979. ص 28.

13-        ديوان سليمان العيسى. دار الشورى. بيروت. ط1. 1980. ص 361.

14-        نور الدين السد. " القضية الجزائرية عند بعض الشعراء العرب ". المؤسسة الوطنية للكتاب. الجزائر. 1986م. ص 22.

15-        انظر : أحمد أبو حاقة. " الالتزام في الشعر العربي ". دار العلم للملايين. ط1. 1979. ص 548.

16-        مفدي زكرياء. " اللهب المقدس ". المكتب التجاري للطباعة والنشر والتوزيع. بيروت. 1961. ص 319.

17-        انظر : عثمان سعدي. " الثورة الجزائرية في الشعر العراقي ". ج1. ص 128، 288.

18-        انظر : المرجع نفسه. ص 135.

19-        المرجع نفسه. ص 142.

20-        انظر : المرجع نفسه. ص 142.

21-        د. عبد الله الركيبي. " الأوراس في الشعر العربي ودراسات أخرى".               ص 44، 45.

22-        انظر : عثمان سعدي. " الثورة الجزائرية في الشعر العرقي ". ج1. ص 210.

23-        " الثورة الجزائرية وصداها في العالم ". المركز الوطني للدارسات التاريخية (الملتقى الدولي الجزائري 24-28 نوفمبر 1984). تحت إشراف السيد محمد طويلي وتحت رعاية السيد عبد المجيد مزيان وزير الثقافة والسياحة. ص 77.

24-        مفدي زكريا. " اللهب المقدس". ص 30.

25-        مفدي زكريا. " إلياذة الجزائر ". ص 56.

26-        ديوان حسن عبد الله القرسي. " نداء الدماء ". طبعت الطبعة الإفرادية من هذا الديوان في مايو 1964. ص 215. أو انظر نور الدين السد " القضية الجزائرية عند بعض الشعراء العرب ". ص 23.

27-        جريدة العمل التونسية : 04/01/1959. ص 9.

28-        مصطفى بيطام. " الثورة الجزائرية في شعر المغرب العربي (1954 – 1962) ". ص 273.

29-        المرجع نفسه. ص 272.

30-        صالح خرفي. " أنت بلادي ". الشركة الوطنية للنشر والتوزيع. الجزائر. 1974.              ص 12، 13.

31-        انظر " د.عبد الله الركيبي. " الأوراس في الشعر العربي ودراسات أخرى ".           ص 20.

32-        نور الدين السد. " القضية الجزائرية عند بعض الشعراء العرب ". ص 27، 28.

33-        ديوان محمد الفيتوري. ج1. منشورات الفيتوري. بيروت. ط4. 1981. ص 261.

34-        انظر عبد الله الركيبي. " الأوراس في الشعر العربي ودراسات أخرى ". ص 21.

35-        مصطفى بيطام. " الثورة الجزائرية في شعر المغرب العربي (1954 – 1962)". ص 285.

36-        أحمد اللغماني. " قلب على شفة ". الدار التونسية للنشر. تونس. 1966.        ص 128، 129.

37-        " المجاهد الثقافي ". العدد 9. 1969. ص 72.

38-        ديوان محمد مهدي الجواهري. ج1. مطبعة الجمهورية. دمشق. ط4. 1957. ص 219.

39-        نور الدين السد. " القضية الجزائرية عند بعض الشعراء العرب ". ص 20.

40-        ديوان بدر شاكر السياب. دار العودة. بيروت. 1981. ص 378.

41-        نُشرت بمجلة الرابطة الأدبية بالنجف. 1960. انظر عثمان سعدي. " الثورة الجزائرية في الشعر العرقي ". ج1. ص 212.

42-        إبراهيم خطاب الزبيدي. ولد قي تكريت (العراق) من دواوينه : " في سبيل الوطن". " الوجه الذي يتغير ". انظر المرجع نفسه. ص 190.

43-        انظر عثمان سعدي. " الثورة الجزائرية في الشعر العراقي ". ج1. ص 193.

44-         المرجع نفسه. ص 55.

45-        انظر : المرجع نفسه، ص55.

46-        سليمان هادي الطعمة. ديوان " الأشواق الحائرة ". بغداد. 1962. ص 440.

47-        مفدي زكرياء. " اللهب المقدس ". ص 31.

48-        أبو القاسم خمار. " ظلال وأصداء ". الشركة الوطنية للنشر والتوزيع. (د.ت).            ص 98، 99.

49-        مجلة " الندوة ". تونس. العدد 05. السنة 4. ماي 1956م. ص 52 – 53.

50-        عثمان سعدي. " الثورة الجزائرية في الشعر العراقي ". ج1. ص 52.

51-        انظر المرجع نفسه. ص 52، 53.

52-        مصطفى بيطام. " الثورة الجزائرية في شعر المغرب العربي ". 1954م -1962م. ص 84.

53-        انظر : المرجع نفسه. ص 84.

54-        انظر : عثمان سعدي. " الثورة الجزائرية في الشعر العراقي ". ج1. ص : 440.

55-        نشرت في جريدة في العراق الموصلية عام 1960. ولمزيد من التفاصيل انظر عثمان سعدي " الثورة الجزائرية في الشعر العراقي ". ج 1. ص 430.

56-        نشرت في مجلة الرّسالة العراقية. عدد 3. في 21/03/1961. انظر المرجع نفسه. ص 440.

57-        انظر عثمان سعدي. " الثورة الجزائرية في الشعر العراقي ". ج1. ص 62.

58-        انظر : الطاهر مربيعي " إلياذة الجزائر لشاعر الثورة مفدي زكريا ".(تاريخ أمة وقصة شعب). هامش ص 61.

59-        الهاء تعود على مدينة سوق أهراس التي كانت تدعى تافَست وهي واردة في البيت الذي قبل هذا البيت.

60-        المرجع نفسه (إلياذة الجزائر). ص 61.

61-        " أبو كبور ". هو عنوان القصيدة التي نظمها الشاعر بتاريخ 13/12/1961. انظر مصطفى بيطام " الثورة الجزائرية في شعر المغرب العربي. هامش ص 85.

62-        المرجع نفسه. ص 85.

63-        انظر : المرجع نفسه. ص 85.

64-        عمر بن قينة. " الريف والثورة في الرواية الجزائرية ". المؤسسة الوطنية للكتاب. الجزائر. 1988م. ص 47.

 

(Source : https://manifest.univ-ouargla.dz)