محمود درويش

فما هو الصوت الذي ارتفع من الجزائر ؟
قال شاعر ألماني : ((إن الفن سلاح)) وقال أديب جزائري : ((نحن لا نعتبر أدباً ذلك الذي لا يعبّر عن قضيتنا)) .
وقال التاريخ : ((إن الثورات السياسية والاجتماعية في أكثر أقطار العالم ، كان الفن ، من أدب ورسم وموسيقى.. واحداً من محركاتها ، وكان البوق الأول لها.. وكان الكتاب الذي يحدّث عنها الأجيال القادمة.. ويأخذ منها كما أعطاها..)) .
وفي الجزائر ، عبّر الأدب عن قضية الجزائر ، ووقف جنباً إلى جنب مع المدفع والبندقية والرشاش ، لهدف واحد هو.. الاستقلال..
من مقالات سياسية ، وأمثال شعبية ، وشعر وقصة وأغنية ، ليس منذ إعلان الثورة ((رسمياً)) ، بل منذ إعلانها ((عملياً)) ، منذ صرصرت عجلة الاستعمار على كروم الجزائر.. 
عبّر هذا الأدب عن هذه القضية ، وتسلح للدفاع عنها لأنه بالإضافة إلى أن الثقافة والأدب تستجيبان ، وبكلمة أعمق تنبعان من واقع الشعب السياسي ، بالإضافة إلى هذه الحقيقة البديهية ، كانت الثقافة الوطنية واحداً من أحد باعثين في خلق الكفاح المسلّح ، لما أصيبت به هذه الثقافة من اضطهاد وحشي قذر لسبب سياسي بالطبع لأن جماعة المثقفين هناك كانت تعطي حياتها لتضيء عقل الفلاحين ووعيهم على واقعهم اليابس ، في الأرياف.. ولأن هؤلاء المثقفين كانوا في الصف الأول في قافلة المقاومين للاستعمار ، مثل عبد القادر بن محي الدين الشاعر الذي نصبه الفلاحون قائداً لحربهم ، فأعطى الحكم للمثقفين الذين جندوا هذا السلاح الثقافي لمكافحة المستعمرين.. وأنصارهم من خونة الوطن !
لهذا ، وقف المستعمر موقف العدو الثقافي أيضاً..
فماذا فعل ؟
هدم القواعد التي ينشأ عنها هؤلاء الواعون..
حارب اللغة العربية..
أحرق المكتبات التي تضم الكلمة العربية..
لاحق الشعراء والقصاصين...
ولكن الجزائريين لم يلقوا هذا السلاح حتى يأكله صدأ الزمن ، وبحثوا عن اتجاهات لرفع الكلمة خوفاً عليها من البرود..
لماذا ؟..
لأن الحاجة إلى الأدب في البلاد المستعمرة المناضلة في سبيل استقلالها – كما يقول الأديب الجزائري – العديمة الإمكانيات اللائقة ، أمر ماس لا بد من التعبير عنه ولو بلغة خام غير مهذبة ، ولو بلغة أجنبية ، ويدل هذا على أن مفهوم الثقافة لا يعني الشكل فحسب ، بل يتعداهما إلى إفصاح كلي عن المحتوى !
ووجد الجزائريون طريق الكلمة فجردوها !..
حاربوا بالكلمة العامية الشعبية بعد أن حرِّمت اللغة الفصحى ، وظهر شعراء شعبيون يحدون ويهزجون للكفاح والحرية ، لأنهم – كما قلنا – بحاجة إلى المحتوى الثائر أكثر من الضرورة إلى الشكل الخارجي المنمّق الناعم كما يريد ((المعنيون)) ولم يلقوا سلاح التعبير !
وحاربوا بالكلمة الفصحى الصحيحة بعد نشوء الوعي في الأحزاب السياسية التي تدرجت من نطاق الهيئات البرجوازية إلى فسحة الجماهير العامة .
ولم يلقوا سلاح التعبير ! 
وأكثر من هذا..
حاربوا بالكلمة الفرنسية ، بالكلمة المستعمِرة لأكثر من حاجة واحدة :
• حاجة التعبير النفسية عن القصة البائسة الوحشية التي بصمتها أصابع الاستعمار في وطنهم..
• ضرورة رفع صوتهم إلى العالم الأوسع ليفهم القضية الإنسانية المعذّبة ويعطف عليها.. ويؤيدها ، وهذا هو الأهم !
• لحظر اللغة العربية الأم !
لأن المستعمرين ذهبوا – بخطأ مسرف بالسخرية – إلى الاعتقاد بأن استعمال اللغة 
((المحتلة)) سيقر سيادتهم ونفوذهم ، ويروج لحضارتهم فارتدت الكلمة الفرنسية المسلحة بالثورية الجزائرية العربية إلى نحور أصحابها !
وهكذا ، رفع المثقفون الجزائريون الكلمة المكافحة مع البندقية ، لأنهم ((لا يعتبرون الثقافة مجرد سلوى ، بل تعبيراً عن الواقع الجزائري الذي كان يناضل في سبيل قضية حياة أو موت)) . 
وهذا هو الصوت الذي رفعه وفد الجزائر في القاهرة . صوت الجرح الخامس والأربعين من جراح شعوب آسيا وأفريقيا الثائرة.. هذه الأصوات التي أثارت نباح و ((دموع)) الأوساط الاستعمارية والرجعية.. وعند العرب أيضاً.. متباكية على الفن الذي مات في مؤتمر الأدباء بين ضجيج السياسة.... يدعون هذا بكل سخرية وقحة ولؤم ! وكأنهم يتجاهلون أن عدوان الاستعمار على هذه الشعوب يرمي إلى أهداف سياسية محضة ، فكيف لا يريدون أن يكون الرد عليها رداً سياسياً أدبياً.. بل أدبياً مجرداً..
أي أدب.. يا بيوت الأدب !
*
وبعد ، هل انتهى زمن التعبير عن ثورة الجزائر بعد استقلالها ؟
بالطبع.. لا ! لأن الثورة الجزائرية لم تنته ، ولا تزال تواجه أقسى فترة في تاريخها.. ولا تزال مقبلة أيضاً.. بعد الانتصار السياسي على معارك أخرى اجتماعية واقتصادية لتصلح ما أتلفته يد الاستعمار منذ مائة وثلاثين عاماً ، وما وضعته في المجتمع الجزائري من جهل وبؤس ومرض ، هذا الثالوث الذي يتألف منه نعش المصير والإنسان الجزائري كما كان مقرراً..
وكل هذه المعارك القادمة التي تتطلب الوعي والتيقظ أكثر من قبل تحتاج – بالطبع – إلى التعبير الأدبي الموجِّه.. كما احتاجت حماسة الثورة السياسية وقوتها إلى نوع خاص من التعبير المتحمس القوي الدافع . 
وفوق كل هذا ، ستظل الثورة السياسية التي ستغير المجتمع الجزائري.. والإنسان 
الجزائري.. 
والطبيعة الجزائرية بالتأكيد ، ستظل مادة وتراثاً خالداً للأدب الجزائري ، كما بقيت كل ثورة سياسية واجتماعية في كل بلاد العالم تراثاً باقياً للأدب والفن في تلك البلاد..
وتأثير الثورة الجزائرية لن يقف – بكل تأكيد – عند حدود الأدب الجزائري ، بل سيتعداه إلى الأدب العربي بصورة عامة..
لماذا ؟..
لأن القضية الجزائرية ، هي قضية عربية كبرى سيكون لها تأثيرها الكبير في تقرير مصير العالم العربي وتحرره.. وقد عبّر الأدب العربي المعاصر فعلاً عن ارتباطه السياسي والروحي بهذه القضية ، بموجة كبيرة من الشعر والمقالات والرسوم والأغنية والقصة والرواية ، ولا يزال ، حتى أصبح بإمكان المؤرخ الأدبي أن يؤرخ فترة من تاريخها الأدبي خاصة بالقضية الجزائرية لها ميزاتها ودلالاتها الخاصة.. ويقرر – بدون شك – أن تأثير هذه الثورة في الأدب سيكون أبعد مدى من كل الثورات التي عرفها العالم العربي ، لما تمتاز به من علامات واعتبارات مميزة.. منها السياسية ، كما قلت ، ومنها الإنسانية الخاصة..
وأكثر من هذا.. 
إن التأثير الأدبي للثورة في فرنسا نفسها كان ظاهرة مدهشة ، لارتباط القضية بها ارتباطاً مباشراً.. وأخذ هذا التأثير مجريين..
واحداً.. رجعياً..
وثانياً.. تقدمياً .
الأول.. يمثله الأدب الرجعي الفاشستي الذي لا يريد أن يتخلص من مركب النقص الذي لا يزال يركبه.. وهو (فرنسة الجزائر) !
والثاني.. يمثله الأدب التقدمي الإنساني الذي يعترف بحق كل شعب في تقرير مصيره بيده ، ولهذا يرى في الاستعمار الفرنسي عاراً وشناراً هائلين.. لا مبرر لهما !
وظهرت في فرنسا ، مدرسة أدبية للدفاع عن قضية الجزائر ، تعلِّم الشعب الفرنسي 
أو المخدوعين منه.. أن الجزائر ليست قطعة من فرنسا !
وأكثر من هذا أيضاً.. إن قضية الجزائر قضية إنسانية عالمية ، يقف إلى جانبها كل أنصار الحرية والعدالة في العالم.. وفي طليعتهم البلاد الاشتراكية التي تفهم القضية وتعطف عليها وتؤيدها أكثر من غيرها.. ولذلك من الطبيعي أن يمتد خط تأثير الثورة إلى هذه البلاد التي شاركت الجزائر – بالإضافة إلى المشاركة المادية العسكرية والتأييد في الموقف الدولي – مشاركة أدبية ، فعبرت عنها بكل أدوات الفكر !.. 
ولهذا ، نستطيع أن نخرج بنتيجة وجود ظاهرة جزائرية عالمية في الأدب العالمي.. ونذهب إلى أبعد من هذا فنقول إن هذه الظاهرة ستمتد أكثر فأكثر.. وتنضج أكثر في الأدب الجزائري.. والعربي عامة والفرنسي.. والعالمي.. وستكون المكانة الأولى للرواية بعد أن كانت للشعر !
فطوبى لهذه الثورة !
وطوبى لهذا الشعب !
وطوبى للأدب الذي لا يغمض عينيه عن الشعب..
والموت للأعداء !

(source : http://mahmoddarwish.com/?page=details&newsID=338&cat=19)