Coran

 أردنا في هذه الدراسة أن نبحث مرجعيات المصطلح البلاغي وأصوله الثقافية، فلا شك أن المصطلح البلاغي نشأ في بيئة عربية خالصة، وأنه تأثر بثقافة هذه البيئة في وضعه الأول، حيث انتقلت كثير من الألفاظ من الدلالة اللغوية ذات الخصوصية البيئية إلى الدلالة العلمية ذات الطبيعة المصطلحية، وقد تتبعنا عامة المصطلحات البلاغية فوجدنا أن أصولها لصيقة بالمشارب الثقافية والمؤثرات الفلسفية التي تشبع بها واضعوها، فكان أن قسمنا المؤثرات الثقافية العامة في المصطلح البلاغي إلى ثلاثة أقسام:

  • البيئة البدوية
  • البيئة الحضارية
  • المشارب الفلسفية والمنطقية

فالبيئة البدوية شكلت أصل شطر مصطلحات البلاغة التي استمدت من عناصر هذه البيئة؛ حيوانها، ونباتها، وعادات مجتمعها الخلقية، ووسائله المادية الحياتية.

و البيئة الحضارية كانت مرجع مصطلحات بلاغية أخرى تتصل في أصل دلالاتها بما عرفته هذه البيئة الحضارية من مظاهر التمدن في اللباس وفنون العمارة والحرف وغيرها... أما المشارب الفلسفية فبرزت من خلال تلك المصطلحات التي يغلب عليها طابع المنطق والحجاج والخطابة، والتي تركز على التقسيم والإقناع أكثر من تركيزها على الفن والإمتاع.وسنتناول كل قسم من هذه الأقسام لنرى كيف شكل مرجعا لعدد من المصطلحات البلاغية المختلفة.

1.       البيئة البدوية

يمكن أن نتناول الأصول البيئية للمصطلح البلاغي من خلال العناصر الآتية: الحيوان، والطبيعة، والعادات.

أـ الحيوان: يعد الحيوان من ألصق عناصر البيئة بحياة العرب وثقافتهم ولهذا السبب استمدت كثير من المصطلحات البلاغية من حياة هذا الحيوان وما يتعلق به لا سيما الإبل والخيل بوصفهما الأكثر حضورا في الحياة اليومية للعرب قديما، ومن أبرز المصطلحات البلاغية المتصلة بالحيوان ما يأتي:

ـ الإرداف : فالإرداف من أردف، يقال : أردفه، أي ركب خلفه، أي حمله خلفه على ظهر الدابة، فهو رديف وردف ( 1) وقد عرفه العسكري بقوله:" الإرداف والتوابع أن يريد المتكلم الدلالة على معنى فيترك اللفظ الدال عليه الخاص به، ويأتي بلفظ هو ردفه وتابع له، فيجعله عبارة عن المعنى الذي أراده" (2)

ـ الاطراد : والاطراد مصدر اطرد الشيء: إذا تبع بعضه بعضا وجرى، ومنه بعير مطرد : وهو المتتابع في سيره ولا يكبو(3)

والاطراد بحسب ابن رشيق: " أن تطرد الأسماء من غير كلفة ولا حشو فارغ فإنها إذا اطردت دلت على قوة طبع الشاعر وقلة كلفته ومبالاته بالشعر" (4) .

ـ الإطناب: فإذا كان الإطناب في الاصطلاح هو زيادة اللفظ على المعنى لفائدة كما ذهب إليه ابن الأثير ( 5 )

فإن له أصلا من البيئة، فهم يقولون : أطنب الإبل: إذا تبع بعضها بعضا في السير (6)   . الإلغاز : فاللغز والأحجية عند ابن الأثير شيء واحد، وهو كل معنى يستخرج بالحدس والحزر لا بدلالة اللفظ حقيقة ومجازا ولا يفهم من عرضه، كقول القائل:

             وصاحب لا أمل الدهر صحبته يشقى لنفعي ويسعى سعي مجتهد

          ماإن رأيت له شخصا فمذوقعت عيـني عليه افـترقنا فرقـة الأبد

فإنه لا يدل على أنه الضرس لا من طريق الحقيقة ولا من طريق المجاز ولا من طريق المفهوم، وإنما شيء يحدس ويحزر(7)  

ولكن مصطلح الإلغاز له في أصله اللغوي صلة بالبيئة، إذ اللغز واللغيزى والإلغاز: حفرة يحفرها اليربوع في جحرة تحت الأرض (8)  

التحجيل: التحجيل بياض يكون في قوائم الفرس، (9)

ومن هذا الأصل استمد حازم القرطاجني مصطلح التحجيل الذي قصد به تذييل أواخر الفصول بالأبيات الحكمية والاستدلالية لتزداد بهاء وحسنا وتقع في النفوس أحسن موقع ، وقد بين حازم الصلة بين أصل مصطلح التحجيل واستعماله فقال : " فإنا سمينا تحلية أعقاب   الفصول بالأبيات الحكمية والاستدلالية بالتحجيل ليكون اقتران صنعة رأس الفصل وصنعة عجزه نحوا من اقتران الغرة بالتحجيل في الفرس" (10) .

ـ التسجيع : ولا ينفصل مصطلح التسجيع عن البيئة حيث جاء في اللسان:" سجع الحمام : هدل على جهة واحدة، وسجع الحمامة موالاة صوتها على طريق واحدة." (11) ومن هنا أخذ السجع والتسجيع معناه الذي هو " تواطؤ الفواصل في الكلام المنثور على حرف واحد."   (12) ،

ـ التوأم: التوأم من جميع الحيوان المولود مع غيره في بطن من الإثنين إلى ما زاد (13) ، وقد أخذ البلاغيون من هذا المعنى مصطلح التوأم فأطلقوه على البيت الذي يبنيه الشاعر على قافيتين إذا اقتصر على إحداهما كان البيت له وزن وإن كمله على القافية الأخرى كان له وزن آخر وتكون القافيتان متماثلتين وتكونان مختلفتين." (14)  

ـ الخيف: خيف البعير والإنسان والفرس وغيره خيفا وهو أخيف بين الخيف إذا كانت إحدى عينيه سوداء كحلاء والأخرى زرقاء (15)

ومن هذا الأصل اشتق مصطلح الخيف وقد عرفه العلوي بقوله:" هو أن يكون الكلام من المنثور والمنظوم معقودا من جزءين إحدى كلمتي العقد منقوطة كلها والأخرى مهملة كلها." (16)

ـ السلخ: عرف مصطلح السلخ عند البلاغيين بأنه أحد أنواع السرقات، فقد عرفه ابن الأثير بأنه :" أخذ بعض المعنى، مأخوذا من سلخ الجلد الذي هو بعض الجسم المسلوخ." (17) ,وليس بخاف رجوع المصطلح إلى الثقافة البيئية التي استمد منها

ـ القران: انتقل لفظ القران من الدلالة على الحبل الذي يقلد به البعير ويقاد به (18) إلى الدلالة على الربط بين أبيات القصيدة ليقع التشابه [1] والانسجام، وانطلاقا من هذا المبدأ ُيحكم على القصيدة بناء على ما تتوفر عليه من تناسب بين أجزائها، ولحمة بين عناصرها، ويؤيد هذا الأمر ما جاء في كتاب الموشح للمرزباني من أن عمر بن لَجَأ قال لابن عم له: أنا أشعر منك، قال له: وكيف ؟قال: إني أقول البيت وأخاه، وتقول البيت وابن عمه » (19) ، يقصد أن أبياته ليس بينها من التلاؤم والمناسبة ما بين أبياته.

وكان الجاحظ قد عرض لهذا، عندما شرح بيت أبي البيداء الرياحي:

وَشِعْرٌ كَبَعْرِ الكَبْشِ فَرَّقَ بَيْنَهُ           لِسَانُ دَعِيِّ فِي القَرِيضِ دَخِيلِ

فقال: « أما قوله (كبعر الكبش)، فإنما ذهب إلى أن بعر الكبش يقع متفرقا غير مؤتلف ولا متجاور، وكذلك حروف الكلم وأجزاء الشّعر من البيت، تراها متفقة لمسا، ولينة المعاطف سهلة، وتراها مختلفة متباينة، ومتنافرة مستكرهة، تشق على اللسان وتكده، والأخرى تراها سهلة لينة، ورطبة متوالية، سلسة النظام خفيفة على اللسان، حتى كأن البيت بأسره كلمة واحدة، وحتى كأن الكلمة بأسرها حرف واحد »(20) .

ـ المطرف: أطلق المطرف في الأصل على الخيل الأبيض الرأس والذنب وسائره يخالف ذلك (21) ثم انتقل اللفظ إلى قائمة المصطلحات البلاغية دالا على نوع من أنواع السجع، يراعى فيه الحرف الأخير في كلمتي قرينتيه من غير مراعاة الوزن، كقوله تعالى: ( مالكم لا ترجون لله وقارا وقد خلقكم أطوارا) ( 22 )  

ـ المطلق: يرتبط لفظ المطلق في أصله بالناقة المطلقة غير المقيدة، فيقال: أطلق الناقة من عقالها وطلقها فطلقت، وناقة طَلْق وطُلُق:لا عقال عليها." (23) أما المطلق في اصطلاح البلاغيين فهو نوع من الجناس لا يعتبر فيه التمام لا النقصان (24)كقول جرير:

وما زال معقولا عقال عن الندى وما زال محبوسا عن الخير حابس

ـ وقوع الحافر على الحافر : يحيلنا هذا المصطلح بإلحاح على البيئة البدوية التي يتكرر فيها مشهد القوافل وهي تسير متتابعة أفرادها من الخيل والإبل تاركة آثار أرجلها على الرمل مما يجعل هذه الآثار قابلة لأن تقع على بعضها فتتطابق، وقد استعمل بعض البلاغيين هذا المصطلح للدلالة على أنواع من السرقات أو التوافقات بين شاعرين فأكثر، كقول طرفة :

وقوفا بها صحبي علي مطيهم يقولون لا تهلك أسى وتجلد

فهو قريب من قول امرئ القيس :

وقوفا بها صحبي علي مطيهم يقولون لا تهلك أسى وتجمل (25) .

ب ـ الطبيعة والعادات: لقد استمدت كثير من المصطلحات البلاغية من الطبيعة وما تتضمنه الحياة اليومية للعرب من عادات ووسائل، ومن أبرز المصطلحات البلاغية المستمدة من الطبيعة ما يأتي:

ـ التدبيج: مصطلح التدبيج ذو صلة بالبيئة الطبيعية فهم يقولون :" دبج الأرض المطر يدبجها دبجا بمعنى روضها." (26)وقد وظف هذا المعنى في استعمال المصطلح فالتدبيج عند المصري: هو أن يذكر الشاعر أو الناثر ألوانا يقصد الكناية بها أو التورية بذكرها عن أشياء من مدح أو وصف أو نسيب أو هجاء أو غير ذلك من الفنون أو لبيان فائدة الوصف بها." ( 27 )  

ـ الترشيح: ولا ينفك مصطلح الترشيح عن معاني الطبيعة، ففي اللسان:" رشح الغيث النبات:رباه، ورشحت الأرض البهمى: ربتها وبلغت بها" (28) فالترشيح هنا فيه معنى من معاني التأهيل والإبلاغ، وبناء على هذا عرف المصري الترشيح بقوله:" هو أن يؤتى بكلمة لا تصلح لضرب من المحاسن حتى يؤتى بلفظة تؤهلها لذلك". ومنه قوله تعالى:( اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه)، فإن لفظة ( ربك) رشحت لفظة ( ربه) لأن تكون تورية إذ يحتمل أن يراد بها الإله تعالى، وأن يراد بها الملك، ولو وقع الاقتصار على قوله:( فأنساه الشيطان ذكر ربه) دون قوله: (اذكرني عند ربك) لم تدل لفظة (ربه) إلا على الإله فحسب لكن لما تقدمت لفظة (ربك) وهي لا تحتمل إلا الملك صلحت لفظة ( ربه) للمعنيين. (29)  

ـ التوارد : يعرف ابن منقذ التوارد بقوله:"هو أن يقول الشاعر بيتا فيقوله آخر من غير أن يسمعه"كما قال كثير عزة:

يذكرنيها كل ريح مريضة لها بالتلاع القاويات نسيم

وقال جرير:

يذكرنيها كل ريح مريضة لها بالتلاع القاويات وئيد (3 0 )

أما صلة مصطلح التوارد بالبيئة فهي وثيقة، إذ استمد من ورود الماء، فهم يقولون: ورد الماء وردا وورودا (31) ... وتوارد القوم الماء وردوا معا

ولا تخفى أهمية الماء في البيئة العربية والحياة اليومية، فهو عنصر حيوي في بيئة صحراوية حارة يعتمد أهلها في التعيش على مواشيهم وأنعامهم، ويتنقلون بها وراء مساقط الماء ومنابت الكلإ.

ـ الحيدة: يتصل مصطلح الحيدة بالثقافة والبيئة العربية، فالحيد: حرف شاخص يخرج من الجبل، والحيد ما شخص من الجبل واعوجّ ( 32 )

أما الحيدة في الاصطلاح فقد جعلها المصري انتقالا للمستدل إلى استدلال غير الذي كان آخذا فيه و يكون هذا بلاغة إذا أتى به

المستدل بعد معارضة بما يدل على أن المعترض لم يفهم استدلاله فينتقل عنه إلى استدلال يقطع به الخصم عند فهمه" (33)

وهذا كقوله تعالى حكاية عن إبراهيم ـ عليه السلام ـ في قوله للجبار: ( ربي الذي يحيي ويميت) فقال الجبار: ( أنا أحيي وأميت) ... فلما علم الخليل أنه لم يفهم معنى الإماتة والإحياء اللذين أرادهما انتقل إلى استدلال آخر فقال: ( فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فات بها من المغرب) فأتاه باستدلال لا يجد لاسمه اسما مشتركا معه فيتعلق بظاهره على طريق المغالطة. (3 4 ) (أما المصطلحات المستمدة من العادات ووسائل الحياة اليومية فهي كثيرة، ومن أهمها:

ـ الإجازة: فالإجازة مشتقة المعنى من الإجازة في السقي، يقال: أجاز فلان فلانا إذا سقى له أو سقاه، ويقال للذي يرد على أهل الماء فيستقي: مستجيز، قال القطامي:

وقالوا فقيم قيم الماء فاستجز عبادة إن المستجيز على قتر

أما الإجازة في الشعر فهي أن تتم مصراع غيرك، كقول بعضهم لأبي العتاهية: أجز:"برد الماء وطابا"، فقال: " (35 ) حبذا الماء شرابا".

ـ الإغارة: أخذ مصطلح الإغارة من قولهم: أغار على القوم إغارة وغارة أي دفع عليهم الخيل (3 6 )  

فاستعمل في حديثهم عن السرقات، قال ابن رشيق:" الإغارة: أن يصنع الشاعر بيتا ويخترع معنى مليحا فيتناوله من هو أعظم منه

ذكرا وأبعد صوتا فيروى له دون قائله كما فعل الفرزدق بجميل وقد سمعه ينشد:

ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا

فقال: متى كان الملك في بني عذرة؟ إنما هو في مضر وأنا شاعرها، فغلب الفرزدق على البيت ولم يتركه جميل ولا أسقطه من شعره. (3 7 ) ،

ـ الاقتباس: أخذ مصطلح الاقتباس من قولهم: قبست منه نارا أقبس قبسا فأقبسني أي: أعطاني منه قبسا، وكذلك اقتبست منه نارا واقتبست منه علما أيضا أي: استفدته ( 3 8 ) ثم استخدم المصطلح للدلالة على الأخذ والاستفادة، حيث عرف هذا النوع من الأخذ منذ عهد مبكر، وكانوا يسمون الخطبة التي لا توشح بالقرآن الكريم بتراء.

وقد يسمي بعضهم الاقتباس التضمين، الذي قال ابن القيم في تعريفه: " ويسمى التضمين، وهو أن يأخذ المتكلم كلاما من كلام غيره يدرجه في لفظه لتأكيد المعنى الذي أتى به أو ترتيب، فإن كان كلاما كثيرا أو بيتا من الشعر فهو تضمين، وإن كان كلاما قليلا أو نصف بيت فهو إيداع" (39)

ـ الاقتصاص: وهذا المصطلح له حضوره القوي في بيئة العرب وثقافتهم، فهو مأخوذ من شيء برعوا فيه واشتهروا به، حتى عد

علما من علومهم وسمي القيافة، ففي اللسان: " قص آثارهم يقصها قصا وقصصا وتقصصا: تتبعها بالليل، وقيل: هو تتبع الأثر أي وقت كان، ويقال خرج فلان قصصا في أثر فلان وقصا وذلك إذا اقتص أثره." (4 0 )  

أما الاقتصاص اصطلاحا فقد عرفه ابن فارس بقوله: " هو أن يكون كلام في سورة مقتصا من كلام في سورة أخرى أو في السورة معها" كقوله تعالى: ( وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين)، والآخرة دار ثواب لا عمل، فهذا مقتص من قوله تعالى: ( ومن يأته مومنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى) (4 1 )   

2/ البيئة الحضرية: والبيئة الحضارية كانت مرجع مصطلحات بلاغية أخرى تتصل في أصل دلالاتها بما عرفته هذه البيئة الحضارية من مظاهر التمدن في اللباس وفنون العمارة والحرف وغيرها...ومن أهم المصطلحات التي استمدت من هذه البيئة:

ـ الاحتباك: الاحتباك شد الإزار، وكل شيء أحكمته وأحسنت عمله فقد احتبكته، والمحبوك ما أجيد عمله، والحبك: الشد والإحكام (4 2 ) ، وقد أشار السيوطي إلى مرجع هذا المصطلح بقوله: " ومأخذ هذه التسمية من الحبك الذي معناه الشد والإحكام وتحسين أثر الصنعة في الثوب، فحبك الثوب سد ما بين خيوطه من الفرج وشده، وإحكامه بحيث يمنع عنه الخلل مع الحسن والرونق، وبيان أخذه منه أن مواضع الحذف من الكلام شبهت بالفرج بين الخيوط، فلما أدركها الناقد البصير بصوغه الماهر في نظمه وحوكه فوضع المحذوف مواضعه كان حابكا له مانعا من خلل يطرقه فسد بتقديره ما يحصل به الخلل مع ما أكسبه من ال حسن والرونق .

وقد جعل بعض العلماء الاحتباك أحد أنواع الحذف، وسماه الزركشي "الحذف المقابلي" وعرفه بقوله:"هو أن يجتمع في الكلام متقابلان فيحذف من واحد منهما مقابله لدلالة الآخر عليه ". (43) ومن أمثلته قوله تعالى: ( أم يقولون افتراه قل ان افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما تجرمون) [هود:35]، فالأصل: فإن افتريته فعلي إجرامي وأنتم برآء منه، وعليكم إجرامكم وأنا بريء مما تجرمون، فاكتفى من كل متناسبين بأحدهما.

ـ الإشباع: الإشباع في القوافي هو إشباع حركة الحرف بين ألف التأسيس وحرف الروي ككسرة الصاد من قول الشاعر:

كليني لهم يا أميمة ناصب وليل أقاسيه بطيء الكواكب .

 

وقد ذكروا للإشباع تعريفات أخرى، ولكن ما يهمنا هو أن مصطلح الإشباع استمد من قولهم: أشبع الثوب إذا رواه صبغا (44) ، فنحن إزاء استخدام للمصطلح في بيئة على قدر من التحضر والتفنن في صبغ الثياب وانتقاء ألوانها وأصباغها وغير ذلك.

ـ الترصيع: والترصيع كسابقيه يتصل ببعض مظاهر الحضارة من الزينة واللباس، ذلك أن الترصيع هو تركيب الجوهر خاصة في التاج والعقد وغيرهما، يقال: تاج مرصع بالجوهر وسيف مرصع أي محلى

بالرصائع وهي حلق يحلى بها الواحدة رصيعة، ورصع العقد بالجوهر: نظمه فيه وضم بعضه إلى بعض (45)

فالترصيع مأخوذ من ترصيع العقد وذاك أن يكون في أحد جانبي العقد من اللآلئ مثل ما في الجانب الآخر.

وقد جعل البلاغيون الترصيع من نعوت الوزن، فقال العسكري عنه:" هو أن يكون حشو البيت مسجوعا" (46) ، وقال ابن رشيق: "وإذا كان تقطيع الأجزاء مسجوعا أو شبيها بالمسجوع فذلك هو الترصيع عند قدامة". (47)

وذكروا من أمثلته قول الخنساء:

    حامي الحقيقة محمود الخليقة            مهـدي الطريقة نفاع وضرار

جـواب قاصـية جـزار ناصية     عقاد ألويـة للخيل جرار

Arabic-calligraphy

 

ـ التسميط: أخذ مصطلح التسميط من السمط: وهو الخيط ما دام فيه الخرز، والسمط خيط النظم لأنه يعلق، والسمط: الخيط الواحد المنظوم، وسمط الشيء سمطا: علقه، وسمطت الشيء: علقته على السموط تسميطا" (48)  

وقد استخدم التسميط عند البلاغيين في معنى قريب من الترصيع والتسجيع، وقد نقل العلوي عن الخليل تعريفه للترصيع بأنه "أن يؤتى بالبيت من الشعر على أربعة مقاطع فثلاثة منها على سجع واحد مع مراعاة القافية في الرابعة إلى أن تنقضي القصيدة على هذه الصفة" (49) ومن أمثلته قول جنوب الهذلية:

وحرب وردت وثغر سددت وعلج شددت عليه الحبالا

ومال حويت وخيل حميت وضيف قريت يخاف الوكالا

ـ التطريز: يتصل مصطلح التطريز أيضا بالتفنن والتأنق في صناعة الثياب، فالطرز: البز والهيئة، والطراز ما ينسج من الثياب للسلطان، والطّرز والطراز: الجيد من كل شيء، ويقال: طرّز الثوب فهو مطرّز (50)  

وقد استخدم مصطلح التطريز عند بعض البلاغيين للدلالة على نوع من التفنن في نسج القصيدة، بحيث "يقع في أبيات متوالية من القصيدة كلمات متساوية في الوزن فيكون فيها كالطراز في الثوب" (51) ومن أمثلته قول أحمد بن أبي طاهر:

إذا أبو قاسم جادت لنـا يـده لم يحمد الأجودان البحـر والمطر

وإن أضاءت لنا أنوار غــرته تضاءل الأنوران الشمـس والقمر

وإن مضى رأيه أو حد عزمـته تأخر الماضيان الســيف والقدر

من لم يكن حذرا من حد صولته لم يدر ما المزعجان الخوف والحذر

ـ التفويف: اشتق التفويف من الثوب الذي فيه خطوط بيض، فكأن المتكلم خالف بين جمل المعاني في التقفية كمخالفة البياض لسائر الألوان، لأن بعده من سائر الألوان أشد من بعد بعضه عن بعض (52)

ـ التوشيح: التوشيح من الألفاظ الدالة على الزينة، فوشاح المرأة: حليها من لؤلؤ وجوهر تتوشح به، ومنه اشتق توشح الرجل بثوبه، ووشحها توشيحا فتوشحت هي أي: لبسته (53)   .

وقد عد معظم البلاغيين التوشيح هو الإرصاد والتسهيم، فقال ابن الأثير في تعريفه:" هو أن يبني الشاعر أبيات قصيدته على بحرين مختلفين فإذا وقف من البيت على القافية الأولى كان شعرا مستقيما من بحر على عروض، وإذا أضاف إلى ذلك ما بنى عليه شعره من القافية الأخرى كان أيضا شعرا مستقيما من بحر آخر على عروض، وصار ما يضاف إلى القافية الأولى للبيت كالوشاح" (54)  

ـ النظم: النظم في أصل معناه هو التأليف، وارتبط بنظم اللؤلؤ خاصة، ونظمت اللؤلؤ أي جمعته في السلك ( اللسان ( نظم)، ثم شاع اللفظ عند البلاغيين منذ أن أخذ المعتزلة يبحثون في إعجاز القرآن الكريم، فقد ذهب بعضهم إلى أن القرآن معجز بنظمه العجيب، وكان ابن المقفع قد أشار إلى نظم الكلام وشبهه بنظم الياقوت والزبرجد والمرجان في القلائد والسموط والأكاليل (55)   ، ثم تحدث الجاحظ وعلماء الإعجاز عن النظم، حتى اكتملت النظرة على يد عبد القاهر الجرجاني، حيث بنى أصول علم المعاني على أساس النظم.

3/ المشارب الفلسفية والمنطقية: تبرز الأصول الفلسفية والمنطقية للمصطلح البلاغي من خلال تلك المصطلحات التي يغلب عليها طابع المنطق والحجاج والخطابة، والتي تركز على التقسيم والإقناع أكثر من تركيزها على الفن والإمتاع، ومع حضور هذا النوع من المصطلحات إلا أنها قليلة مقارنة بغيرها من الأنواع التي سبق تناولها، ومن أهم هذه المصطلحات:

ـ الاحتجاج: وهو لون من ألوان الكلام عند جماعة منهم ابن قيم الجوزية (5 6 ) ،وسماه الزركشي إلجام الخصم بالحجة، وسماه بعض البلاغيين "المذهب الكلامي"، وحقيقته احتجاج المتكلم على خصمه بحجة تقطع عناده وتوجب له الاعتراف بما ادعاه المتكلم وإبطال ما أورده الخصم، وسمي المذهب الكلامي لأنه يسلك فيه مذهب أهل الكلام في استدلالهم على إبطال حجج خصومهم. (5 7 )  

أما المذهب الكلامي عند المتأخرين فهو إيراد حجة للمطلوب على طريقة أهل الكلام، وذلك أن يكون بعد تسليم المقدمات مقدمة مستلزمة للمطلوب،وقد تحدث العسكري في كتاب الصناعتين عن وضوح الدلالة وقرع الحجة وجعل منه قوله تعال: (وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها لذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم)، فهذه دلالة واضحة على أن الله تعالى قادر على إعادة الخلق مستغنية بنفسها عن الزيادة فيها، لأن الإعادة ليست بأصعب في العقول من الابتداء. (5 8 )  

ـ الاستحالة: الكلام المستحيل: المحال، والمحال ما عدل به عن وجهه، ويقال: أحلت الكلام أحيله إحالة إذا أفسدته، وأحال الرجل أتى بالمحال وتكلم به أي بما لا يمكن وقوعه( اللسان (حول)، وقد جعل قدامة الاستحالة والتناقض من عيوب المعاني، بأن يذكر في الشعر شيء فيجمع بينه وبين المقابل له من جهة واحدة" (59)

ومما جاء من الاستحالة والتناقض على جهة التضاد قول أبي نواس يصف الخمر:

كأن بقايا ما عفى من حبابها تفاريق شيب في سواد عذار

تردت به ثم انفرى عن أديمها تفري ليل عن بياض نهار

فالحباب الذي جعله في البيت الثاني كالليل هو الذي كان في البيت الأول أبيض كالشيب، والخمر التي كانت في البيت الأول كسواد العذار هي التي صارت في البيت الثاني كبياض النهار ( 60 ) .

الاستدلال :الاستدلال هو تقرير الدليل لإثبات المدلول سواء كان ذلك من الأثر إلى المؤثر أو بالعكس ( 61 ) وهذا المصطلح ـ كما هو واضح ـ مصطلح وثيق الصلة بالجانب الحجاجي المنطقي،

وقد ذكر ابن سنان الاستدلال بالتعليل وجعل منه قول أبي الحسن التهامي:

لو لم يكن ريقه خمرة لما تثنى عطفه وهو صاح

وقوله:

لو لم يكن أقحوانا ثغر مبسمها ما كان يزداد طيبا ساعة السحر

وقول البحتري:

ولو لم تكن ساخطا لم أكن أذم الزمان وأشكو الخطوبا

ـ الإلجاء : الإلجاء هو الاضطرار، وألجأه إلى الشيء: اضطره إليه ( 62 ) ،

وقد عرف المصري الإلجاء بقوله:" هو أن تكون صحة الكلام المدخول ظاهره موقوفة على الإتيان فيه بما يبادر الخصم إلى رده بشيء يلجئه إلى الاعتراف بصحته. كقوله تعالى : ( ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر) قال تعالى في جواب هذا القول: ( لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين)، فإن للخصم أن يقول : نحن إنما أردنا القصص والأخبار... فظاهر الكلام لا يصلح أن يكون ردا على المشركين فيقال لهم: هب أن الأعجمي علمه المعاني فهذه العبارة الهائلة التي قطعت أطماعكم عن الإتيان بمثلها من علمها له؟ فإن كان هو الذي أتى بها من قبل نفسه كما زعمتم فقد أقررتم أن رجلا واحدا منÙ م أتى بهذا المقدار من الكلام وقد عجزتم بأجمعكم وكل من تدعونه من دون الله عن الإتيان بأقصر سورة. ( 6 3 )  

و هكذا يمكن القول إن المصطلح البلاغي نشأ في بيئة عربية خالصة، فاصطبغ بصبغة هذه البيئة وواكب ثقافة أهلها المتصلة بحياتهم اليومية، بما تتضمنه من عناصر الطبيعة، وما تعارفه أهلها من عادات وأخلاق، وما اتخذوه بعد ذلك من وسائل وفنون، ثم ما عرفته علومهم ومناهجهم من مؤثرات فلسفية ومنطقية.  

الهوامش والإحالات:

1 ابن منظور الإفريقي: لسان العرب. دار المعارف. القاهرة، (دت)، مادة (ردف)

2.      العسكري أبو هلال، كتاب الصناعتين، تحقيق: منير قميحة، دار الكتب العلمية، ط2، بيروت، 1409هـ/ 1989م، ص350

3.      ابن منظور الإفريقي: لسان العرب. دار المعارف. القاهرة. (دت) . مادة(طرد)

4.      ابن رشيق، العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، تحقيق:عبد القادر أحمد عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، 1422هـ/2001م، 2/34

5.      ابن الأثير ضياء الدين، المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، تحقيق: كامل محمد عويضة، دار الكتب العلمية، ط1، بيروت، 1419 هـ/ 1998م، 2/109

6.      لسان العرب، مادة (طنب)

7.      ابن الأثير، المثل السائر ،2/200

8.      لسان العرب( لغز)

9.      لسان العرب، مادة( حجل)

10.   القرطاجنّي حازم، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تحقيق: محمد الحبيب بن خوجة، دارالكتب الشرقية، تونس،1966م، ص300، 297

11.   لسان العرب، (سجع)

12.   ابن الأثير، المثل السائر 1/190

13.   لسان العرب، (تأم)

14.   السيوطي جلال الدين ، الإتقان في علوم القرآن، تقديم وتعليق: مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير،ط1، دمشق، 1407هـ/1927م،1/352  

15.     لسان العرب، مادة(خيف)،

16.    العلوي يحيى بن حمزة، الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز، تحقيق: عبد الحميد هنداوي، المكتبة العصرية ط1، صيدا بيروت ، 1423 هـ/ 2002 م،3/100

17.     ابن الأثير، المثل السائر، 2/312

18.     لسان العرب، مادة(قرن)

19.     المرزباني: الموشح. ص404.

20.     الجاحظ: البيان والتبيين. 1/50.

1.      لسان العرب، مادة( طرف)               

2.      القلقشندي أحمد بن علي، صبح الاعشى في صناعة الإنشا، دار الفكر، دمشق، ط1، 1987، 2/ 305

3.      لسان العرب، مادة( طلق)

4.      ابن رشيق، العمدة، 1/325

5.      الباقلاني، إعجاز القرآن، ص54

6.      لسان العرب، مادة(دبج)

7.      السيوطي، الإتقان، 1/346

8.      لسان العرب، مادة( رشح)

9.      الزركشي، البرهان، 3/446

10.   ابن منقذ أسامة ، البديع في البديع، تحقيق: علي مهنا، دار الكتب العلمية، ط1 ، بيروت، 1407هـ/1987م.

11.   لسان العرب، مادة(ورد )

12.   لسان العرب، مادة(حيد)

13.   ابن أبي الإصبع المصري، تحرير التحبير، ص565

14.   أحمد مطلوب، معجم المصطلحات البلاغية وتطورها، مكتبة لبنان ناشرون، بيروت، 2000م، ص476، 477

15.   العمدة،1/200

16.   لسان العرب، مادة(غور )

17.   ابن رشيق، العمدة ،2/220

18.   لسان العرب، (قبس)

19.   ابن قيم الجوزية، الفوائد المشوّق إلى علوم القرآن وعلم البيان، مكتبة الهلال، بيروت،(د ت)، ص173

20.   لسان العرب، مادة( قصص)

21.   أحمد بن فارس، الصاحبي في فقه اللغة، منشورات محمد علي بيضون ودار الكتب العلمية،ط1، بيروت، 1418هـ/ 1997م، ص 181

22.   لسان العرب، مادة(حبك )

23.   الزركشي بدر الدين ، البرهان في علوم القرآن، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الجيل، بيروت، 1408هـ/1988م. 3/129

24.   لسان العرب، مادة(صبغ )

25.   لسان العرب، ( رصع)

26.   العسكري، الصناعتين، ص375

27.   ابن رشيق، العمدة، 2/ 26

28.   لسان العرب، مادة (سمط)

29.   العلوي، الطراز، 3/97

30.   لسان العرب، مادة ( طرز)

31.   العسكري، الصناعتين، ص425

32.   ينظر لسان العرب (فوف)

33.   لسان العرب، مادة ( وشح )

34.   ابن الأثير، المثل السائر، 2/359

35.   أحمد مطلوب، معجم المصطلحات البلاغية، ص661

36.   ابن قيم الجوزية ، كتاب الفوائد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1402هـ/ 1982م، ص202

37.   أحمد مطلوب معجم المصطلحات البلاغية، ص37

38.   العسكري الصناعتين، ص410

39.   نقد الشعر، ص232

40.   ينظر أحمد مطلوب، معجم المصطلحات البلاغية، ص68

41.   الجرجاني السيد الشريف، التعريفات ، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت، ط2، 1424هـ/2002م، ص21

42.   لسان العرب، مادة( لجأ)

43.   أحمد مطلوب، معجم المصطلحات البلاغية، ص16

 

revue Makalid

مقاليد, revue, n° 1, 2011