معن بشّور

 

حدثان هزّا امتنا العربية والإسلامية في النصف الثاني من القرن الفائت، كانت الجزائر ثورة وقيادة وشعباً، في قلبهما.

أول الحدثين هو العدوان الثلاثي (الإسرائيلي – البريطاني- الفرنسي) على مصر في 29 أكتوبر 1956، وبعد أسبوع على اختطاف جنرالات فرنسا طائرة مغربية كانت تقل قادة ثورة الجزائر من المغرب إلى تونس، لحضور مؤتمر دعت اليه الحكومة التونسية من أجل إطلاق أول عملية تفاوض بين الثورة والحكومة الفرنسية، وهي العملية الإرهابية التي رأى فيها كثيرون أنها الرصاصة الأولى في مسار ذلك العدوان على مصر بقيادة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر…

في هذا الحدث، الذي اعتبره المحللون منعطفاً تاريخياً كبيراً في حياة العالم أعلن سقوط الإمبراطورتين الأكبر آنذاك، وهما بريطانيا وفرنسا، كانت ثورة الجزائر الحاضر الأكبر حيث تؤكد المعلومات دور حكومة غي موليه الاشتراكية في باريس في التنسيق مع تل أبيب وإقناع لندن بشن تلك الحرب على مصر، لدور جمال عبد الناصر وبلاده في دعم الثورة الجزائرية الوليدة في الفاتح من نوفمبر عام 1954، لا بل رجح بعض المحللين أن الحكومة الفرنسية كانت تريد “الاحتفال” بالذكرى الثانية لثورة الفاتح من نوفمبر في القاهرة “المهزومة” التي كانت تعتبر رأس حربة في تحدي شعوب العالم للواقع الاستعماري بعد ثورة مصر في 23 تموز (جويليه) 1952..

الحدث الثاني حصل إثر الهزيمة العربية في حزيران/يونيو 1967، ونجاح الكيان الصهيوني في احتلال سيناء المصرية، والجولان السوري، والقدس والضفة الغربية وقطاع غزة…

يومها وفي ظل الذهول العربي الشامل من وقع تلك الهزيمة التي أدّت فيما أدّت إليه، إلى تدمير الجيش المصري وارتكاب المجازر بحق المئات من جنوده، توجه الرئيس هواري بومدين إلى موسكو حاملاً معه شيكاً على بياض ليبلغ القيادة السوفياتية آنذاك أن الجزائر مستعدة لشراء كل الأسلحة التي تحتاجها مصر لإعادة بناء جيشها والتحضير لمعركة “إزالة آثار العدوان”.

طبعاً لم تكن مبادرة الزعيم الجزائري الراحل وحيدة فقد سبقتها وتلتها مشاركات متطوعين وعسكريين جزائريين في التوجه إلى مصر وسوريا للقتال على الجبهتين، حتى أن أحد القادة المتطوعين في تلك الحرب (الرائد لخضر بو رقعة) أطلق على ابنتيه إسمي سيناء والجولان في تأكيد على عمق ترابط شعب الجزائر مع أشقائه في مصر وسوريا…

أطلقت المبادرة الجزائرية يومها الحماس في نفوس أبناء الأمّة، وشكّلت مع مظاهرات الملايين من المصريين والعرب (9 و 10 يونيو 1967) الرافضة لتنحي الرئيس جمال عبد الناصر، بعد أعلانه تحمله شخصياً مسؤولية الهزيمة، كما مع معركة الكرامة (22 مارس 1968) التي خاضتها قوات (فتح) والجيش الأردني ضد الجيش الاسرائيلي وهزمته، ثالوث الصمود العربي بوجه الهزيمة والاستعداد الكبير لإزالة آثارها.

بالطبع، لم يكن هذان الحدثان وحيدين في التعبير عن دور الجزائر في قضايا أمّتها، ولا عن موقع ثورتها في حياة العرب والمسلمين، بل كانت هناك وقفات عدّة في أكثر من مرحلة، وأكثر من ملف، وأكثر من قضية، منها وقفة الجزائر الشجاعة بوجه محاولات إقرار التطبيع في قمة الجزائر العربية عام 2005، حيث كانت الكلمة الشهيرة “ليست الجزائر الأرض التي يخرج منها قرار عربي بالتطبيع مع العدو”، ومنها وقفتها الشجاعة أيضاً في السنوات الأخيرة برفض احتضان فتن التدمير الكبرى، التي خطط البعض لها لإسقاط دول وكيانات ومجتمعات وجيوش في المنطقة، لاسيّما في سوريا التي ما بخل شعبها وجيشها وقادتها يوماً في دعم ثورة الجزائر.

هذه المحطات الهامة التي تداخلت فيها أدوار للثورة الجزائرية مع لحظات تاريخية في حياة الأمّة هي محطات يعتز بها كل جزائري مؤمن بدينه وعروبته، كما كل عربي رأى منذ انطلاقة ثورة الفاتح من نوفمبر، أن “ثورة الجزائر مفاجأة العروبة لنفسها”، كما قال في أواسط خمسينات القرن الفائت مؤسس البعث الراحل ميشيل عفلق، فيما كان شباب البعث في كل أقطار المشرق العربي يقودون مع رفاقهم في الأحزاب والحركات الوطنية والقومية، حملات التضامن مع ثورة الجزائر ومدها بما تحتاجه من مال وسلاح.

إن استدعاء هذه المحطات الهامة في الذكرى 62 لانطلاق ثورة الاستقلال الجزائري المعاصرة، ليس مجرد حنين إلى ماض يعتز به كل أبناء الأمّة فحسب، بل هو نداء الحاضر والمستقبل من أجل أن يتعاظم دور الجزائر في نصرة قضايا أمّتها القديمة منها والمتجددة، وأن تستخدم ثورتها المجيدة رصيدها الكبير في قلوب أبناء الأمّة وعقولهم من أجل دعم المقاومة بكل تجلياتها في وجه المحتلين والغزاة والمعتدين، وفي العمل لطوي صفحات الانقسام الفلسطيني والاحتراب العربي وفي وئّد الحروب التي تشن على أقطار الأمّة وفيها، والتي يسعى مشعلوها إلى أن تمتد حرائقها لتشمل كل الدول والمجتمعات العربية والإسلامية إذا لم يتم اخمادها في بلاد المنشأ…

ولم يكن من قبيل الصدف أن تكون الجزائر، بعد لبنان، هي من أول الدول العربية والإسلامية التي اكتوت بنار الفتنة في “العشرية الدامية” والتي يسعى أعداء الأمّة إلى تكرارها في هذا القطر أو ذاك.

فالعشرية الدامية في الجزائر كانت في أحد أهدافها انتقاماً من الشعب الجزائري وثورته ودورها العربي والإسلامي والإفريقي، ومقدمة لنقل الحروب والفتن إلى أقطار الأمّة، القريب منها أو البعيد….

إن الجزائر، بشعبها وجيشها وأحزابها وقواها، مؤهلة للعب دور تاريخي في اللحظة التاريخية الراهنة عبر إطفاء الحرائق المشتعلة، وإقامة جسور التصالح والتفاهم بين أمم العروبة والإسلام، والسعي الجاد لإزالة آثار هذه الغمة الدامية التي تغمر أمّتنا وتحول بينها وبين نهضتها ووحدتها وتحررها، وإقامة العدل الاجتماعي والحرية السياسية في ربوعها.

إنه نداء ثورة الفاتح في عيدها الثاني والستين، نداء لاستعادة العافية داخل الجزائر، واستعادة مشروع النهوض على مستوى الأمّة.

كاتب عربي

 

(source : https://www.raialyoum.com   1er novembre 2016)