عصمت سيف الدولة

في سنة 1957 ، بلغت الحركة الثورية العربية المعاصرة نقطة تحول حاسمة . كان الشعب العربي قد هزم العدوان الاستعماري على مصر في أواخر سنة   1956 ، وبذلك أوقف المد الاستعماري واسترد مقدرته على المبادرة . وبعد أن كان النضال العربي ـ على مدى قرون ـ يدور في واحات محصورة بالقوى الرجعية الاستعمارية ، كسبت الثورة العربية أرضا مطهرة تماما من الاستعمار والنفوذ الأجنبي والأحلاف ، فكسبت بها قاعدة  تزحف منها الطليعة العربية الى معاقل الاستعمار دون خشية الطعن من الخلف . وبتحرر قاعدة الانطلاق العربي فرضت الوحدة ذاتها ، وبلغ المد الوحدوي ذروته فلم تلبث الوحدة بين سورية ومصر أن تحققت وقامتالجمهورية العربية المتحدة ، نواة دولة الوحدة ، والقاعدة الواحدة للثورة العربية الواحدة ، في فبراير1958 ، وتوالت الانتصارات فسقط الحكم الرجعي في بغداد في يوليو 1958 ، وتوافرت للثورة في الجزائر أبعادها العربية فاستحقت النصر الأكيد ... الخ .
حينئذ طرحت على الشعب العربي مشكلة جديدة : كيف نبني مستقبل الحياة في الأرض التي تحررت فتوحدت ، ثم كيف يكون بناء الحياة فيها على وجه لا يعطل معارك التحرر في باقي أجزاء الوطن العربي ، ولا يعوق وحدة الأجزاء التي تتحرر مستقبلا ؟
كانت أهمية الاجابة عن هذا السؤال تتجاوز الجمهورية العربية المتحدة باقليميها ، لأنها لم تكن تمثل عند الشعب العربي دولة من اقليمين ، بل كانت قبل هذا وفوق هذا ، قاعدة انطلاق الى دولة الوحدة ، تحقق بها للعرب ، بعد قرون من القهر والكفاح ضد الاستعمار ، ما يستطيعون فيه ، وبه ، أن يصوغوا حياة الانسان العربي ومستقبله . لهذا كان مستقبل الكفاح التحرري والوحدة القومية مرتبطا الى حد كبير بالطريقة التي تصاغ بها الحياة في الجمهورية العربية المتحدة ، وبمضمون تلك الحياة .وعندما تحددت الاشتراكية مضمونا لحياة المستقبل أصبحت الحرية والوحدة والاشتراكية ، أوجها ثلاثة لمستقبل عربي واحد ، فرفعتها الجماهير العربية شعارا لثورتها . غير أن وحدة الشعار لم تغن عن الاجابة عن السؤال الأول فبقي معلقا دون اجابة واحدة : كيف نحقق المصير الواحد بمضامينه الثلاثة ؟
كان ثمة اجابات   مطروحة .
أولها وأهمها ، جواب فرضته المعارك المحلية ، وضغط المشكلات التي ولدتها الظروف ، وضرورة الاستمرار في الحركة الثورية والمحافظة على مقدرتها على المبادرة مع الاحتفاظ بأكبر قدر من المرونة لمواجهة معركةالمستقبل العربي التي تشعبت ساحتها ، كان الجواب : اذا كنا نريد أن نبني المستقبل فلنتصدى لبنائه ، واذا كنا نريد أن نصوغ الحياة فلنبدأ في صياغتها ، واذا كنا نريد أن ننتصر في معارك التحرر والوحدة فلنقتحمهافلا وقت للانتظار . قد نخطئ ولكن لا بد من العمل ولو تضمن خطأ ، فلنطهر أنفسنا من الخوف من الخطأ ، ولنمارس تجربتنا الحية . وهكذا انتهجت الثورة العربية منهج " التجربة والخطأ " ، وحققت في ظله كثيرا من الانتصارات ، ودفعت ثمنا له ما يقتضيه دائما من ثمن : تقدم غير مطرد ، وجهود ضائعة ، وتمزق في الصفوف يبدد طاقات كان من الممكن أن تكون دعما للثورة العربية . ولكنه على أي حال كان منهج الضرورة الملحة ، ولم يكن ثمة بديل غيره الا التوقف عن الحركة ، وكان التوقفمستحيلا بحكم الظروف التاريخية العادية والظروف التي يخلقها الأعداء معا . وفي هذه الحدود كان منهج " التجربة والخطأ " منهجا ثوريا تقدمياـ غير أنه كان قاصرا عن أن يكون جوابا ملائما للمدى الأطول . كيف نبنيمستقبل الحياة في الوطن العربي على أسس علمية بعيدا عن مخاطر التجربة والخطأ ؟
كان على الجواب أن يتضمن بديلا عن منهج الضرورة ، منهجا علميا يجمع الطليعة العربية على أهدافها في الحرية والوحدة والاشتراكية ، ويحدد العلاقات بينها ، ويصلح قاعدة للنضال في سبيلها ، فيطرد التقدم بدون نكسة ، وتثمر الجهود بدون أخطاء ، ويصلح حكما عند الاختلاف فتبقى الصفوف بدون فرقة ، ويضيء الطريق الى المستقبل فلا تتوه الغايات . ولم تكن ضرورة هذا المنهج غائبة عن أحد من التقدميين في الشعب العربي حتى أولئك المشغولين بالمعارك اليومية يديرونها ويسهمون فيها طبقا لمنهج الضرورة ، فان أحد منهم لم يقل أن منهج التجربة والخطأ منهج سوي اخترناه في غير ضرورة عاجلة فرضتها الظروف ، ولم ينكر أحد ما وقع من أخطاء وما تبدد من جهد . غير أن المشكلة كلها كانت في كيف نجد المنهج الذي نريده .
الجواب الثاني كان متاحا بالاسلام كعقيدة وشريعة ، ولم يكن الاسلام فيحاجة الى جهد للاقناع به ، فهو تراث مستقر في ضمائر الجماهير العربية ، تجاوز الاقناع الى الايمان فاصبح بالايمان أكثر رسوخا وثباتا من أي اجتهاد فكري طارئ . وقد لاذ كثير بالاسلام جوابا للبحث عن أساس لصياغة المستقبل العربي . غير أنه من الواضح ، أنهم لاذوا به اعفاء لأنفسهم من أعباء الاجتهاد والبحث الذي يحرض عليه الاسلام ذاته .فالاسلام كعقيدة وشريعة غير محدود بالزمان والمكان وغير مقصور علىمجتمع دون آخر ، وهو بهذا دين وليس مذهبا . انه أكثر شمولا وسموا في الوقت ذاته من كل النظم التي تتتابع على المجتمعات البشرية حلا لمشكلاتها في زمان معين ومكان معين . لهذا كان التماس الجواب في الاسلام يقتضي جهدا بالغا ليستخلص من محتواه الانساني الشامل كعقيدة وشريعة ، منهج تصاغ على هديه الحياة في الوطن العربي في القرن العشرين . ويبدو أن تلك المهمة كانت فوق طاقة الكثيرين فلم يقدموا الجواب الذي تتطلع اليه مشكلات الظروف المعاصرة ، بل زادوا فنزلوابالاسلام الى مستوى الرأسمالية أو الاشتراكية ، وقارنوه بهما تزكية جاهلة منهم لتقديمه بديلا عنهما ، ويقى السؤال بدون جواب .
والجواب الثالث ، كان في الماركسية . وللماركسية اغراء عام في بساطتها كمنهج ، وصلابتها النسبية كنظرية . وهي بعد نظرية جاهزة تغني عنعناء الابداع الجديد بكل ما وراءها من تراث فكري وما حولها من جماهير عريضة على المستوى العالمي . أضيف الى هذا الاغراء العام اغراء خاص من تاريخ الوطن العربي في الفترة التي نتحدث عنها . فقد وقف الاتحاد السوقياتي ـ معقل الماركسية ـ موقفا دعم الجهد العربي في تخطينقطة التحول الحاسمة ، وأسهم بتأييده الأدبي وما يمثله من ثقل دولي ، في دعم الالنتصار العربي على العدوان الاستعماري . وقبيل هذا ، وبعده ، كان الاتحاد السوفياتي دولة صديقة ، رسخت صداقتها بتولي نيكيتا خروتشوف السلطة فيها , ولم يلبث ذلك الرجل الجذاب أن أضفى على الماركسية اغراءا جديدا ، فرفع عنها وزر ما أدان به ستالين , وفي ظل حكمه حاولت الماركسية أن تفلت من الجمود الى حد تناول بعض أسسها الفكرية ، وعلى وجه خاص تنازلها عن ضرورة قيادة البروليتاريا أية ثورة تقدمية . وقد كان ذلك اغراء شديدا لكثير من المثقفين العرب فظهرت من بينهم فئة الماركسيين غير الشيوعيين ، الذين يقبلون الماركسيةمنهجا ولا يقبلون الشيوعية مصيرا ، ويحتجون بوحدة النظرية واختلاف التطبيق .
ومع كل تلك المغريات لم يستطع الماركسيون أن يقيموا الماركسية منهجا لبناء المستقبل العربي لأسباب عدة : أهمها رفض الجماهير العربية النظرية الماركسية تحت شعار " اشتراكيتنا تنبثق من واقعنا " . ولم يكن عسيرا على الذين لا يستعلون على الجماهير ولا يتهمونها أن يتبينوا ما وراء الشعار البسيط من مبررات علمية وتاريخية . فالدين ـ مثلا ـ جزء من تكوين الأمة العربية بحكم أنها تكونت أمة في ظل الحضارة الاسلامية ، ولم يكن قيمة مضافة الى وجودها القومي بعد أن اكتمل ، بل اكتمل وجودها القومي به . وذلك مميز للأمة العربية عن كثير من الأمم الأخرى ، حتى الأمم المسلمة ، بحيث يعتبر الاسلام بالنسبة الى الأمة العربية أكثر من مجرد دين اذ هو جزء من نسيج قوميتها . ولما كانت الماركسية ملحدة ، فقد كان الدين حصانة للجماهير ضد مغرياتها ، ومبررا كافيا لرفضها .ولم تكن ثقة الماركسيين بنظريتهم كافية لتحدي الجماهير العربية ، فقام حاجز لم تستطع الماركسية أن تتخطاه لتصبح منهج المستقبل العربي ، ولم تستطع الماركسية " المتطورة " أن تتخطى ذلك الحاجز ، لأن اقصى تطور اصابها في مسألة الدين أن تجاهلته . والتجاهل قد يجدي في المجتمعات التي يعتبر الدين اضافة الى وجودها كالأمم الأوروبية ، أما عندما يكون الدين جزءا من وجود الأمة ذاتها ، كما هو الحال بالنسبة الى الأمة العربية ، فان تجاهله ولو بدون ادانة لا يجدي شيئا ، لأنه عندئذ عنصر ايجابي من عناصر القومية لا بد من مواجهته ايجابيا . لهذا فان الذين لا ينتبهون للاسلام أو يتجاهلونه ، أيا كان منطلقهم العقائدي أو الفكري ، سيرتطمون به عند أول احتكاك بالأمة العربية ، لأنه جزء مقيم من وجودها لا بد من مواجهته في اي بحث يتناول منهج صياغة مستقبلها .
من الاسباب الأخرى لرفض الجماهير العربية الماركسية ، قضية الوحدة ، فالوحدة جزء لا يتجزأ من المصير العربي الذي يقود كفاحها . والوحدة فيالوطن العربي قائمة على اساس قومي ، أي أن مبرر الوحدة قائم في وحدة الأمة . وبهذا فهي ـ عند الجماهير العربية ـ مختلفة تماما عن التوحيد السياسي الذي تقتضيه الضرورات المرحلية الاقليمية والعالمية .لهذا كانت الوحدة تعني الغاء التجزئة غير مشروطة بقدر من الشروط التي تقوم على أساس التجزئة ذاتها . وقد كانت الوحدة بين سورية ومصر التي فرضت ذاتها على اثر التحرر ، تجسيدا للوحدة كما تفهمها الجماهير العربية ، والماركسية أممية في جوهرها ، بدأت بادانة القومية واعتبار الدولة القومية ( الوحدة ) مخططا برجوازيا تجب محاربته ، وانتهت ، في أقصى ما انتهت اليه ، بما كتبته أفاناسييف في كتابه " الفلسفة الماركسية " سنة 1963 : " بينما يؤيد الحزب الماركسي صراع الشعوبالمضطهدة في سبيل التحرر يحاول أن يحرر العمال من تأثير القومية  البورجوازية ، لأنها لا تتفق مع الوحدة الأممية للطبقة العاملة ، أي النظرية التي تتطلب تضامن العمال في العالم . فالحزب الماركسي يحارب فكرة القومية البورجوازية بالتأكيد على دور الصراع الطبقي الحاسم في أية حركة اجتماعية وبالدعوة الى وحدة الطبقة العاملة في جميع البلاد " . وبهذه الطريقة يدس بالتدريج فكرة الأممية العالمية في أدمغة العمال . وقبل أن ينشر أفاناسييف كتابه " المتطور " كانت لدى كل عربي تقريبا حصيلة غنية من خيانات الشيوعيين قضاياه القومية في فلسطين وسوريا والجزائر .. حيث أدركت الجماهير من تجاربها المرة أن الاغراء الماركسي في قضايا التحرر والاشتراكية ينطوي على مناورة غادرة في قضية الوحدة . وبهذا قام حاجز آخر لم تستطع الماركسية أن تتخطاه لتكون منهج الم ستقبل العربي . وقد كان من سوء الحظ الذي تستحقه الماركسية ، أنه بينما كانت الاغراءات تتوالى تأييدا سياسيا واقتصاديا منالاتحاد السوفياتي ، وتفتحت الأفكار في الوطن العربي لاعادة الحوار مع الماركسيين ، مرت الماركسية بتجربة قاسية في العراق ، حيث تتعرض القومية العربية لمعارك طاحنة ضد الشعوبيين الذين يحركهم الاستعمار وعملاؤه ، وحيث القومية العربية تتجاوز مجرد التمييز القومي الهاديءالى قوة مقاتلة ضد أعدائها في معركة حياة أو موت في هذا الجزء العربي الذي تدور المعارك الرئيسية فيه بين قوميين ولا قوميين ، وجد الشيوعيون ساحة مفتوحة ليجربوا فيها منهجهم ونظريتهم لأول مرة في صف واحد مع الاستعمار وعملائه ، وبهذا الموقف هالوا التراب على كل ما كان مغريا في الماركسية ، وقدموا للجماهير العربية دليلا جديدا على سلامة موقفها في رفض الماركسية ، لم يلبث أن تأيد بتآمرهم على وحدة الجمهورية العربية ذاتها ، في صف واحد مع الرجعية العربية .
غير أن موقف الجماهير العربية ، لم يكن العقبة الوحيدة في طريق الماركسية ، فعلى مستوى البحث العلمي كانت الماركسية المتطورة مجردة من أي إغراء يرشحها منهجا للمستقبل العربي . اذ أن ما كان يحتاجه الشعب العربي ليس حصيلة تطبيقية تتمثل في مجموعة من النظم والقواعد والخطط ، فان المسلم أن كل مجتمع يصنع تجربته ويمارس من التطبيق في واقعه . لهذا لم يكن في الحصيلة التطبيقية المتطورة التي جاءتنا من الاتحاد السوفياتي أو غيره غناء لنا عن المنهج العلمي .والمنهج العلمي في الماركسية هو الجدلية المادية . ولم يدّع أحد من الماركسيين أن الجدلية المادية قد تطوّرت أو أصاب قوانينها أي تعديل .وهذا منطقي ، لأن المناهج العلمية اما صحيحة أو خاطئة ، فان كانت خاطئة يحل محلها منهج صحيح ولكنها هي لا تتطور . وفائدة اي منهجعلمي في ثباته هذا ، كما أن فائدة أي مقياس في ثبات وحدته القياسية ،وأية نظرية   اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية ، تتطور من خلال التطبيق على وجه يتخطى منهج التطبيق ذاته ، تكون قد فقدت منهجها وأصبحت محصلة الممارسة ، أي تكون قد عادت الى منهج " التجربة والخطأ " .وقد كان القدر الأكبر من اغراء الماركسية نابعا من منهجها العلمي البسيط ( الجدلية المادية ) ، وصلاحيته مقياسا لما يجب أن تكون عليه الممارسة . فلما أن جاءت الممارسة بحصيلة تطبيقية لا تتفق مع ما يجب أن يكون طبقا للجدلية المادية ، كان لا بد لأي ماركسي من أن يختار بين النظرية كمنهج وحصيلة التجربة . وكان على الذين يقبلون حصيلة التجربة أن يعيدوا النظر في منهجهم الذي لم يحصنهم ضد احتمالات الممارسة فجاءت  على غير ما توقعوا . ولقد كان ذلك بابا مفتوحا للماركسيين الى المستقبل العربي . غير أن دخوله كان يعني طرح الماركسية على عتباته ومواجهة عناء البحث من جديد . ويبدو أن تلك مهمة كانت فوق طاقة الكثيرين منهم . فمنهم من جمد فعزل نفسه . ومنهم من لفق بين النظرية والتطبيق ، إما بتزييف الواقع ليطابق النظرية ، وإما بسلب الجدلية المادية حتميتها العلمية لتكون لها المرونة الكافية لاستيعاب حصيلة التجربة . وبهذا ذاتهفقدت الماركسية منهجها وبقيت لها اجتهادات الممارسة الفعلية فأصبحت عاجزة عن أن تقدم الى المستقبل العربي منهجه لأن فاقد الشيء لا يعطيه كما يقولون ، ولأن الثورة العربية أستاذة المبادرة التطبيقية ، تجد في انتصاراتها مبرر للثقة غير محتاج لمن يلهثون وراءها يجمعون ما تحققه ويحاولون تبريره . انها محتاجة الى منهج يعفي جهودها الثورية من أخطاء التجربة . والماركسية المتطورة عاجزة عن أن تكون جوابا لحاجتها .
فما العمل ؟
الحق أن الاجابة بالغة الصعوبة ، ويتجاوز الصواب فيها مقدرة أي فرد تسبقه الأحداث ولا تدع له الوقت الكافي للبحث العلمي كما سبقت أحداث الثورة العربية أغلب التقدميين العرب . لهذا فان كل ما يقال فيها اجتهادات من الخطأ ومن الخطر أن تتجاوز هذا الى الادعاء بأنها القول الفصل . وقد قدم المثقفون اجتهادات جادة حينا وغير جادة حينا آخر . وكان وراء الاجتهادات الجادة جهد مخلص لا شك فيه . وكل جهد مخلص في هذا الميدان لبنة بناء . ولكل الذين اجتهدوا ثواب الاجتهاد وان جانبه التوفيق .ولكل من جانبه التوفيق عذر في صعوبة المهمة التي ألقتها الظروف على كاهل هذا الجيل العربي . وترجع صعوبة المهمة   الى تشابك الأحداث في المرحلة التاريخية المعاصرة ، والمستويات العليا التي وصل اليها البحث العلمي . فالمنهج العلمي يجب أولا وقبل كل شيء أن يكون علميا ، أي مجردا من التحيز والتعصب والخوف . لهذا كان على اي عربي يريد أن يؤدي دورا فكريا في هذا الميدان أن يبدأ من أصعب النقاط : الصفر ، لا تبهره الانتصارات فيجنح الى تبريرها ، ولا تخيفه النكسات فيحتاط لها ، ولا تستفزه الاعتداءات فيتعصب لنفسه أو لغيره ، ولا تضغطه الشعارات فيجري وراء الجماهير يرفض ما ترفضه ويقبل ما تقبله . وتلك بداية ثقيلة ، ان تجاوزها وجد نفسه أمام تراث فكري عريض كل تيار فيه بالغ الخصوبة ، وعليه عندئذ أن يقبله كتراث وأن يستفيد منه ، وأن يطهر نفسه تماما من التعصب ضده أو معه ، وأن يفهمه على ضوء الأحداث التي صاحبت نشوءه ، ثم يعزله عنها ليختبره على ضوء الأحداث التي يعيشها ، وأن يحتاط ضد ما قد يكون فيه من مغريات ، وأن يفطن بوجه خاص الى الصراع الاجتماعي والسياسي الذي تعبر عنه تلك التيارات ، فلا يكون جهده ، من حيث لا يدري في خدمة أي من المتصارعين . ثم بعد هذا ، لو استطاع أن يهتدي الى قاعدة علمية بسيطة ، أصبح محتوما عليه أن يعود مرة أخرى الى أمته ليختبر مقدرة القاعدة التي اهتدى اليها ، على ضوء وجودها وتاريخها ومصيرها . وعلى القاعدة التي اهتدى اليها بعد هذا ، أن تجيب الأسئلة التي تطرح ، عن الانسان كفرد ، والانسان في جماعة ، والجماعة في الطبيعة ، وحركة كل هذا في الزمان ، لتستطيع أنتجيب الاسئلة التي تطرح عن الانسان العربي وحركة الأمة العربية وتاريخها واتجاه هذا التاريخ ومصيره ، ثم أن تنتهي الى تحديد واضح لتلك الشعارات التي تصر الجماهير العربية على رفعها : الحرية . الوحدة .الاشتراكية ، وعلاقتها المتبادلة في المنطلق الفكري والمحتوى الموضوعي ومراحل التطبيق .. الخ . كل هذا على ضوء مشكلات العصرالذي نعيش فيه ، وبشرط أساسي ، أن تكون الاجابات عن كل تلك الأسئلة متسقة متكاملة .
عبء ، عبء ثقيل . وضع المثقفين العرب في تلك الحالة التي كثر الحديث عنها تحت عنوان " أزمة المثقفين " . وانهم لفي أزمة حقا لا تخرجهم منها الا جهودهم الخلاقة .
الا أن الجهود الخلاقة لا تقبل العجلة خاصة في ميدان البحث العلمي .ولكن الأحداث لا ترحم . فقد بدأ منهج التجربة والخطأ ينضح أوضاره ويهدد الانتصارات العربية في سنة 1959 وما بعدها . اغتصب عبد الكريمقاسم ثورة العراق يؤيده الماركسيون تحت شعار الاشتراكية . واغتصب الاستعمار سورية وفصلها عن الدولة النواة تؤيده الرجعية العربية تحت شعار الحرية ، وتمزقت الجماهير العربية تحت شعار الوحدة . ولما أن رفعت الشعارات الثلاثة معا فوق مباحثات الوحدة الثلاثية في ابريل سنة1963 ، لم تغن شيئا . وانعكس كل هذا على الشعب العربي ، فبدا كما لو كانت الثورة العربية على الانتهاء الى ظلام .
في وسط ذلك الظلام الدامس ، انظلق من القاهرة نداء " الحركة العربية الواحدة " . ولقد كانت الحركة العربية الواحدة حلم الطلائع العربية الثوريةمنذ أمد بعيد ، ولكن النداء الذي انطلق من القاهرة أكسبها مضمونا جديدا . كان كنداء الاستغاثة والتحذير في الظلمة القاتمة . وكان فوق هذا حكما صارما أطلقته القيادة التي حققت النصر وعانت النكسة معا ، على منهج الثورة العربية بكل انتصاراتها ونكساتها ، كان تقييما لكل حصيلة الكفاح العربي منهجا ومضمونا ، جمع منها كل ما أبقت عليه التجربة والخطأ من خيوط مضيئة في التجربة العربية الثورية ، في جملة مضيئة واحدة ، كافية كخلاصة أن تكون انذارا وهاديا في الوقت نفسه . وبعد نداء الحركة العربية الواحدة ، اصبحت العودة الى منهج الماضي وتنظيماته وأساليبه ، أو حتى الابقاء عليه ، تخليا عن كل ما تعلمته الثورة العربية من تجاربها المرة والحلوة معا ، وتثبيتا لأسباب الانتكاس ، ومحاولة لطمس الشعلةالوحيدة التي بقيت مضيئة ، كانت الحركة العربية الواحدة تعني ضرورة تجاوز الفراغ العقائدي الى عقيدة ، وتجاوز التجربة والخطأ الى منهج علمي ، وتجاوز التجمعات الجماهيرية المتعددة الى حركة جماهيرية واحدة . كانت تعني بكل وضوح أن على الطليعة العربية أن تحقق الحرية والوحدة والاشتراكية في ذاتها تنظيما قوميا ، اذا كانت تريد أن تحقق الحريةوالوحدة والاشتراكية مستقبلا عربيا . وكان نجاح الطلائع العربية في تخطي رواسبهم الى حركة عربية واحدة ، متوقفا على ما تتجاوز به الحركة العربية الواحدة غيرها : منهج علمي وعقيدة واضحة ، تعلو بها على وحدة الصف أو وحدة الهدف أو التضامن ، أو المنظمات الحزبية والجماهيرية الاقليمية ، وتتجاوز بها حتى طاقة الحكومات ومقدرتها ، بالقوة التي تستمدها من طاقة الجماهير ومقدرتها .
عندئذ لم تعد المسألة أزمة المثقفين العرب ، بل أصبحت أزمة المصير العربي ، وكان لا بد من جهد ثوري مضاعف حتى لا يظل نداء الحركة العربية الواحدة بدون اجابة . ولقد وعى كثير من الطلائع العربيةمسؤوليتهم ونذروا جهودهم للاسهام في الاجابة على النداء ، وان كانت الحركة العربية الواحدة لا تزال نداء لا يجد جوابا .
***
في ظل هذا الادراك أعددت هذا الكتاب الذي أقدمه ، وتلك علاقة الحديث به . ولقد بدأت البحث من أجله في تاريخ معاصر لبداية التحول الذي أشرت اليه في أول هذا الحديث ، وعلى التحديد في ديسمبر سنة 1957 . وكان الانتباه اليه استجابة تلقائية لحديث الوحدة المرتقبة في ذلك الحين . ومنذ ذلك التاريخ أعطيته كل ما أمكنني من جهد . واستطعت فيما أعتقد أن أوفر له من ضمانات البحث العلمي ما قدرت عليه من نفسي ، فجاء مجردا منالحيز والتعصب والخوف . أما المضمون فهو كل ما عندي من اجتهاد ، مهما كنت مقتنعا به فاني مقتنع أيضا بأن مناط الصواب والخطأ الحقيقة الموضوعية لا ما يدعيه المؤلفون . ولقد صغته وأعدت صياغته مرات عديدة ، فقد كانت الصياغة عبئا ثقيلا . وانتهيت به الى ما هو عليه مقسما الى فصول سبعة : في الفصل الاول تأكيد من واقع تجارب الأمم الأخرى على أن باب الاجتهاد لا يزال مفتوحا فلا مبرر للخوف ، وفي الفصل الثاني  طرحت الفكرة التي ظننت أنها قانون حركة الانسان تحت عنوان " جدل الانسان " ، وفي الفصل الثالث استعملت ذلك المقياس قاعدة لتحديد مفهوم الحرية ، وفي الفصل الرابع استعملته في تحديد مفهوم الاشتراكية ، وفي الفصل الخامس استعملته في تحديد مفهوم القومية ، وفي الفصل السادس استعملته في تحديد نقطة الانطلاق واسلوب الثورة العربية الى غايتها ، وفي الفصل السابع استعملته أخيرا في تحديد الأسس التنظيمية للحركة العربية الواحدة . وفي خلال هذا كله تعرضت لكل ما أعرفه من آراء ونظريات ومفاهيم مقارنة وحوارا ، كما تناولت بقدر ما تسمح به دراسة الاسس معالم البناء الاجتماعي سياسة واجتماعا وفنا وأدبا وأخلاقا. ولما أن رأيت أن تلك الفكرة الواحدة قد استطاعت أن تكون قاعدة لمفاهيم عديدة دون تناقض بينها ، توهمت أنني قد أتيت بشيء يستحق أن يخرج للناس ، وربطت بينه كقاعدة انطلاق ، وغايته كحياة مقبلة ، فأسميته : " أسس الاشتراكية العربية " ، تعبيرا عن عدم تجاوز البحث أسس الانطلاق الى مناهج التطبيق .
غير أن جرأة اخراجه فعلا ، جاءت من مصدر آخر ، ففي سنة 1963 ، طرح على الناس كتاب بعنوان " أسس الماركسية اللينينية " . والكتاب من تأليف 39 عالما ومفكرا سوفياتيا ، قدموا فيه آخر ما تطور اليه الفكر الماركسي ، وقدموا له بأنه مؤسس على ما قاله ماركس وانجلز ولينين ، ثم على خبرة الحزب الشيوعي السوفياتي والأحزاب الشيوعية والعمالية ، وعلى ضوء الظروف المعاصرة . وعندما قرأته تبينت أن الدراسة الجادة غير المتعصبة قد أدت بنا الى أن نكشف شيئا يستحق مابذل فيه من جهد ، فقد لمس " أسس الماركسية اللينينية " كل ما كنا قد انتهينا اليه . وكنا أكثر من مؤلفيه حسما ، لأننا لا نحتفظ مثلهم بولاء خاص لماركس أو انجلز أو غيرهما . وكان لا بد من صياغة اخيرة يضاف اليها حوار جديد مع 39 ماركسيا كبيرا ، وهو حوار أغنى البحث بما هم أصحاب الفضل الأول فيه .
عندئذ اعتقدت أن الكتاب يستحق أن يقرأ .
                                                عصمت سيف الدولة .
القاهرة في 15 يناير 1965 .