أبو القاسم سعد الله

 

لا أكتمكم أنني أحجمت عن الكتابة في مواضيع الساعة منذ شهور لفقدان الشهية من جهة ولأن بلادنا تمر بمخاض من الصعب التكهن بنتائجه من جهة أخرى إن للكتابة شهية تفتحها الآمال العريضة، والمواقف الواضحة، والتفاؤل اللامحدود، ولكن عندما تنحصر الآمال عند لقمة العيش، وتتعتم المواقف فلا نرى منها إلا قدر خطوة. ويحل محلها التشاؤم محل التفاؤل، فإن شهية الكتابة تنسد، والمزاج يتعكر، والقلم يحتبس.
وعن أي شئ نكتب؟ عن الماضي البعيد الذي توقف عند سنة 1954 وما فيه من مقاومة شعبية، وطموح شرعي، وحتى مأس وجرائم في حق الإنسانية؟ عن ماضي الأفكار والقيادات والأشخاص؟ عن التاريخ الذي قيل أنه مزور لنكتشف الفاعل ونعلن شهادة الحق؟ عن الماضي القريب الذي يبدأ من 1954 ، وما عرفه من انطلاقة وكبت ومن بطولات وتراجيديات، لكي نصل على سنة 1988 التي يقال أنها بداية لعهد جديد يمثل صراع الجزائريين فيما بينهم بدل عهد 1954 الي يمثل صراعهم مع أعدائهم المستعمريين؟

إن ملتقاكم يوحي بأنه محصور بالمرحلة الأولى من الثورة، أو ما قبلها بقليل ولكن الثورة في عرف المؤرخين لا تعرف الحدود، مثلما السير لا يعترف بالسدود، وقد فكرت في تحجيم الثورة والحديث عن كل حجم منها على حدة، فوجدت أن ذلك ممكن إذا كنا سنتناول الجانب العسكري منها مثلا، أما إذا كنا سنتناولها فكريا، فالاستجابة كانت هي النتيجة. أن فكر مفجري الثورة سنة 1954 ممتد في التاريخ عبر أجيال عديدة، كما فكر قادة البلاد اليوم ضارب في أعماق مواثيق مؤتمر الصومام وطرابلس والجزائر، إيجابا وسلبا.

لقد حاولت أن أتتبع المراحل المنطقية الثلاث للثور ، فنظرت في إرهاصاتها وانطلاقاتها ، ونظرت في تفاعلاتها وممارساتها، ثم امتدادها المستقبلي إلى أيامنا هذه. وبتعبير أكثر وضوحا، ربما تأملت في الثورة عشية نوفمبر، ومنذ نوفمبر إلى 1962، ثم منذ هذا التاريخ إلى اليوم. ثلاث مراحل منطقية في نظري، ولكنها متميزة ومتشابكة، فالرجال الذين نسميهم (تاريخيين) ما يزالون بيننا، ولكن فكرهم لم يبقى (تاريخيا) لأنهم لم يضعوه في المتاحف أو يحنطوه، ممتد بل هو فكر ممتد معهم عبر الحاضر أيضا. ولا يمكن للثورة أن تعيش بلا تناقض فكري، داخلي وخارجي. وبمعنى أدق فإن فكر القادة التاريخيين يناقضه، منذ اندلاع الثورة، فكر المناقضين لهم أو المتناقضين معهم وهذا التناقض الملازم لمسيرة الثورة هو الذي نراه يحدث الشرارات بين الفينة والأخرى، ومنها شرارة أكتوبر 1988. ولو كان الفكر الثوري قويا ومحصننا لاستطاع، ربما، أن يقهر كل الشرارات المتناقضة ليقهر كل الشرارات المتناقضة التي كانت تنازعه منذ 1954.

سألت نفسي سؤالا محرجا وقاسيا إلى درجة الجرح، وهو : هل فشلت الثورة في تحقيق مهمتها ؟ ثم قلت لنفسي ، ولكن ما مهمة الثورة؟ إخراج العدو؟ لقد تحقق ذلك، أو استعادة الاستقلال ورموز السيادة المغتصبة؟ أن كل ذلك قد أصبح متوفرا. ثم قلت لنفسي : وهل تلك هي مهمة الثورة؟ لو رجعنا إلى بيان أول نوفمبر، ولو سألنا روح ابن بولعيد و ابن مهيدي وزبانة وعميروش وأضرابهم لأجابوا بأنهم كانوا يحلمون بأكثر من إخراج العدو واستعادة الاستقلال. لعلهم كانوا يحلمون بجزائر غير التي قرأوا عنها في العهد العثماني التي عاشوها في العهد الاستعماري، جزائر العلم والقوة والإشعاع، جزائر لاتعرف الليل أبدا ، تلك هي، ربما، مهمة الثورة. عند أولئك الرموز فإن حلمهم لم يتحقق حتى الآن .

خلال الستينات صدر كتاب ألفه أحد الأجانب عنوانه (الثورة التي فشلت). وهو يقصد الثورة الجزائرية . وأشهد أنني عندما قرأته اتهمت الكاتب بالعداء لنا ، وبالقصور في التحليل لواقع متغير دائما ، ثم مرت الأيام والسنون ، فإذا الجزائريين أنفسهم شاهدون ، بعد قرابة الثلاثة عقود ، على فشل ثورتهم في مهمتها . و(الفشل) كلمة قوية بل جارحة ، ولكن لابد من مواجهة الصدمة . وأشهد أنني كتبت منذ أكثر من عقد ملاحظا أن ثورتنا قد جردت من قيمتها ، وأصبحت شعارات جوفاء تعلن في مناسبات . ولكن ذلك لم يمنعني من التفكير في أسباب الفشل .

دعني أفاجئكم بالقول أننا لم نجرب الحكم قبل 1962، لم تكن لنا تقاليد في السلطة وتسيير شؤون الدولة، كما هو الحال مثلا عند بعض جيراننا. ولم تكن لنا عائلة حاكمة توارثت الحكم على أساس المذهب الديني أو التغلب السياسي. حتى الاستقلال الذي كان قبل 1830، كان في الحقيقة لدولة عثمانية تحت قيادة الباشوات . ونحن لا نريد أن نعود مثلا إلى حكم الداي حسين ولا نوعية استقلاله. فقد كان حكما عسكريا مستبدا وغريبا . وكنا تحته نسمى رعايا، وكنا مضطهدين ومهمشين اقتصاديا وسياسيا على الأقل ، بينما ثروات بلادنا كنت في أيدي عائلة بكري وبوشناق اليهودية ، وهي العائلة التي كانت تمثل صلة الوصل بين الجزائر وأوروبا، كما يقال اليوم على بعض اليهود الذين تتعامل معهم دولتنا . ومن منكم يريد أن يصبح رعية للداي حسين من جديد وتحت رحمة عائلة بكري وبوشناق ثانية ، وهل أنا في حاجة إلى التذكير بان سبب الأساسي للاحتلال الفرنسي يرجع إلى ديون عائلة بكري وبوشناق ؟

وإذا كان للاحتلال الفرنسي من فضل علينا فهو إيقاضه لنا كي نخرج من عهد القبيلة إلى عهد الوطنية ، ومن عهد الإقطاع إلى عهد الشعب ، ولم تكن عملية التحول هذه سهلة أو قصيرة و المدى . أنها كانت صعبة جدا وطويلة المدى . أنها عملية بدأها الأمير عبد القادر وختمها مفجرو ثورة نوفمبر . لقد انتقلنا خلالها من حالة الرعية والإستعباد تحت حكم صليبي في جوهره . وأقساه من تحول! لقد مست خلال عملية التحول ثوابتنا ، وتحطم الكثير من رموزنا ، وطمست معالم حضاراتنا وقيمنا . وانطفأت عشرات الأرواح من قادتنا ، وتشرذمت عشائر وقبائل ، وتمزقت عائلات وجماعات ، بل كاد الزمن يعفى على اسم الجزائر كما عفى على اسم الأندلس .

ونحن نقول هذا لنعترف ونعرف . لنعترف بفضل الذين حضروا نوفمبر بالمعنى الواسع للتحضير، لأن نوفمبر ليس هو البندقية فقط ، ولكنه قبل كل شئ البعث الحضاري والوعي الفكري . ذلك أن انتفاضات الجزائريين خلال القرن الماضي كانت تقوم على البندقية وحدها ، فلم تفلح . أما نوفمبر فقد سبقه بعث حضاري ووعي فكري، ومن ثمة نجحت البندقية . وثورة نوفمبر تتماشى في هذا المقام مع تقاليد الجزائر في الثورات. فنحن شعب نفتخر في المحافل بأننا شعب ثائر وقوي، قضينا حياتنا منذ أقدم العصور في المقاومة والحروب، ولا نفتخر في المحافل بأننا شعب قد اخترع وأبدع، وأخرج الرياضيين والشعراء والسياسيين والمفكرين أيضا. إننا إذن نعترف بفضل الذين حضروا نوفمبر رغم التشرذم السياسي الذي كانت عليه البلاد، ورغم هيمنة الاستعمار التي أوحت إلى كل الناس تقريبا بأن الجزائر (فرنسية) إلى الأبد.

غير أن الثورة وقد انفجرت أصبحت أكبر من قدرة القادرين على التحكم فيها، وهنا يجب أن نعترف أن العديد ممن انضموا إليها إنما جرفهم سيلها، ولم يكن ذلك منهم عن عقيدة واقتناع . وقد ظلوا طيلة السبع سنوات ونصف راكبين موجة أعتى من قدرتهم على التحمل. كانت ثورة شعبية مدفوعة بعبارة (الله أكبر) وكلمة (الجهاد)، وحتى الذين فجروها كانوا مجهولين عند عامة الناس ، ومنذ البداية حيدت الثورة الزعامات المعروفة مثل مصالي والإبراهيمي وغيرهما من الأسماء المعروفة. لقد ولدت الثورة عندنا دون أن يكون لها روبسبيير أو لينين أو ماوتسي تونغ، ولا حتى بورقيبة، بل لم يكن للثورة عندنا فلسفة فيلسوف ولا صحيفة ميثاق، عدا القرآن الكريم وما اشتق منه من عناصر الحضارة. ولم تكن وثيقة الصومام نفسها سوى عمل تنظيمي أكثر منها عملا فكريا لميلاد إنسان جديد .

في أيام مشابهة التف الفيتناميون حول هوشي منه، والتونسيون حول بورقيبة ، والمراكشيون حول محمد الخامس ، والمصريون حول جمال عبد الناصر، وهلم جرا . بينما أسقط الجزائريون مصالي من حسابهم ، وعاقبوا عبان رمضان على محاولته ، فيما يرى البعض، تزعم الثورة، وقبلوا فرحات عباس لأنه ضعيف بماضيه، وقد رفعوا شعار " الجماعية" تمردا على كل الزعامات الفردية، وخوفا في زعمهم، على انحراف الثورة عن مسارها أذا ألقت بزمامها إلى شخص بعينة. فهل ذلك راجع إلى انعدام تقاليد الحكم عندنا، والحكم ظاهرة حضارية؟ أو هو راجع إلى كون الجزائريون لا يطيعون "مرؤوسيهم" وهي ظاهرة قديمة عندنا لاحظها الكتاب والرحالة فيما مضى؟ أم هو عائد إلى الديمقراطية المفرطة عند الجزائريين التي تعني التمرد على السلطة ورفض كل أشكال الزعامة سواء كانت سياسية أو دينية؟

إن مسيرة الثورة بدون زعامة قد يفسر لنا الشعار الذي رفع سنة 1962 وهو:"الشعب هو البطل الوحيد" و "يسقط الاعتقاد في الزعامات الفرية" . وأن الذين عاشوا في الجزائر غداة الاستقلال يدركون أن ذلك الشعار قد رفع في وجه زعامة فردية جديدة كانت تحاول أن تفتك زمام السلطة وتملأ الفراغ السياسي الذي أحدثه تنازع الحكومة المؤقتة مع قيادة الأركان، وتنازع الولايات، ونعني بالزعامة الجديدة ظهور ابن بلة على رأس المكتب السياسي. فقد لملم الأطراف التي كانت تبدو متناقضة، وجعل منها منظومة متقاربة تحت مظلته واستطاع أن يؤلف من هذا اللفيف حكومة ودستورا ومجلسا وجيشا، أي استطاع أن يقيم هيكل دولة جديدة لم يكن نموذجها بالطبع لا دولة الداي حسين ولا دولة الأمير عبد القادر. فهل اختلس ابن بلة عندئذ الثورة، كما اختلس نابليون الثورة الفرنسية وستالين الثورة الروسية؟

إن البعض قد فهم ذلك، فقاوموا ابن بلة بالشعارات التي ذكرناها ، وحتى بالتمردات العسكرية (آيت أحمد ، شعباني) وبالتدخل الخارجي (المغرب)، كما قاومه افتقار الجزائر إلى تقاليد الدولة ورفض الناس فكرة المخزن (البايلك)، وإذا كان هذا كله من السلبيات في ذلك الوقت، فإن الإيجابي في الموضوع هو الحماس الشعبي المنقطع النظير بعد الانتصار على العدو واستعداد الناس للمزيد من التضحية والبذل، وسمعة الثورة على المستوى العالمي . وفي نظرنا فأن انقلاب 1965 كان رجوعا إلى ما قبل 1962، أي كان في ظاهره رفضا للزعامة الفردية ورجوعا إلى "الجماعية" التي تبنتها الثورة.

ويمكن القول أيضا أن المرحلة من 62 إلى 65 تمثل المرحلة الرومانتيكية للثورة . إنها تميزت بالعاطفية والخطابية والحماس الشديد، والتطلعات ، أي امتداد الحلم القديم إلى المستقبل . أما مرحلة 65 – 78 فيمكن وصفها بالواقعية ، ولا يعود ذلك إلى الاختلاف فقط في ميزاج الأشخاص (ابن بلة – بومدين) بقدر ما يعود ذلك إلى أسلوب العمل والحكم الذي تبناه كل منهما . وقد اتسم عهد بومدين أيضا بالغموض الذاتي وفي طريقة صدور القرار . والغموض ظاهرة أساسية في القيادة الشخصية ، حسب تعبير ديغول . وهو ميزة كما أنه عيب ، ميزة لأن النظام لا يكشف عن كل أورقه ، محافظة على ما يمكن تسميته "بهيبة السلطة" ، وهو عيب مناف لمبدأ الديمقراطية إذ لابد من معرفة مصدر القرار وطريقة اتخاذه . ورغم أن بومدين رفع شعار "الجماعية" فإنه تخلى عنها إلى الفردية أيضا ، وشيئا فشيئا تحول نظامه إلى نظام "الرجل القوي" الشائع في العالم الثالث ، وهو تعبير لطيف لكلمة الدكتاتور .

ورغم أن الواقعية قد ميزت أيضا سمعة الثورة على المستوى الداخلي والخارجي ، فأن الرصيد الثوري بالإضافة إلى الموارد النفطية قد أتاحت للجزائر في عهد بومدين أن تلعب ورقة الدولة الأكثر نموا في العالم الثالث ، أو الدولة المستعجلة في الخروج من التخلف . ولتأمين الاستقرار الداخلي رفعت الجزائر عندئذ شعار حسن الجوار وعدم التدخل في شؤون الغير . وهو شعار لم يكن ناجحا في كل الحالات ، لأن قضية الصحراء الغربية قد أحدثت شرخا واسعا في النظام الذي أحاط بومدين نفسه . كما أن قضية الأرض (أو الثورة الزراعية)، وتكريس الدكتاتورية قد أحدثا شرخا آخر في النظام .

وقد ورث العهد الثالث للاستقلال بعض خصائص العهد الذي سبقه ، ولكنه أخذ يتخلص منها تدريجيا بعنوان المراجعة ، التي عنت عند البعض التراجع : عن الميثاق ، عن الثورة الزراعية ، عن الأملاك العقارية ، عن دور الحزب والمؤسسات . ومع هذا التراجع جاء انحسار دور الجزائر الخارجي . وقد زاد نضوب المداخيل النقدية من حدة هذا الانحسار ، وكانت زيارة الشاذلي بن جديد لفرنسا وأمريكا فاتحة عهد الانفتاح والتوجه الليبرالي ، فكان ميلاد رياض الفتح رمزا لهذا التوجه الجديد . وقد فهم أصحاب الأقدام السوداء أنهم أول المعنيين بسياسة الانفتاح فأخذوا يتسللون إلى الجزائر بحثا عن ديارهم التي أخرجوا منها ، كما فتح الاشتراكيون الفرنسيون جسور الصداقة مع النظام في الجزائر ، ونشط "حزب فرنسا" على أكثر من صعيد ، وظهر التوتر المكبوت بين أصحاب الشرعية الثورية وبين الواصلين الجدد الذين اعتقدوا أن صفحة الماضي قد طويت ، ومن يدري فلعل ذلك فلعل ذلك التوتر المكبوت هو الذي فجرته أحداث أكتوبر ، أو كان هو المفجر لها.

إن العهد الثالث من عهود الاستقلال لم يكن كله على وتيرة واحدة ، بل خضع على الأقل إلى ثلاث مراحل ، الأولى إلى 1985، والثالثة هي التي نحياها ، ولا ندري مداها. وهي التي فتحت عند البعض عهد الديمقراطية السياسية والاقتصادية تعددية في الأحزاب ، ومن حريات مدنية ، ومن لبرالية اقتصادية ، وكل ذلك تحت شعار الإصلاحات . ولكنها عند البعض هي مرحلة الفوضى اللامتناهية لأنها أدت إلى قلب موازين الأمور، فشككت في ثوابت الأمة ، وجرأت أعداء الثورة على نبش قبور الشهداء ، والترحيب بالأقدام السوداء ، ومن يدري ماذا بعد ؟

أما على المستوى الخارجي فالمرحلة الأخيرة ورثت أيضا حسن الجوار وهو شعار رأينا الجزائر معه وقد تخلت عن ميزات شخصيتها لكي تكون مقبولة في الدوائر المغاربية ، والسوق الأوربية المشتركة ، وبالأخص لدى البنوك الدولية . ولعل موقفنا من أزمة الخليج اليوم تتحكم فيه الضغوط المالية أكثر مما تتحكم فيه مبادئ ثورتنا ومصير أمتنا ، إن الجزائر أصبحت عضوة في النادي المالي الأوروبي بحكم عضويتها في النادي المالي المغاربي . وبعد بضعة أشهر ستدخل اقتصاد السوق ، وتتزاحم المؤسسات الأجنبية على أبواب بلادنا ، وسيؤدي ذلك إلى تغيير جذري في البنية الاقتصادية للوطن والحياة اليومية للمواطن ، كما سيؤدي ذلك إلى المساس بالمنظومة التربوية ، وبالثوابت ، لكي تتلاءم مع الوضع الجديد.

وبعد ، فهل نحن على أعتاب عصر جديد نتقدم فيه نحو الرخاء ونزداد توحدا وارتباطا بهويتنا؟ أو نحن على شفا الهاوية؟ سألت نفسي ذلك ولم انته لجواب . ولكني رجعت إلى ماضينا فوجدت أنه كلما تحاملت عوامل اليأس والقنوط جاءتنا تباشير الأمل والرجاء. وفي تاريخنا شواهد عديدة على ذلك .

فعندما تحالفت عوامل الشر على المقاومة بقيادة الأمير عبد القادر ، وانهزم أمامها دخلت الجزائر في عهد من الظلم والظلام . ولكن صوت المداح كان يملأ الأسواق والمداشر والأحياء ، واعدا بالفارس القادم وفي يده سيف ملتهب يقطع به أوداج الظلم وأوصال الظلام .
وعندما أشاعوا أن الجزائريين أخذ منهم العياء والتعب من حروب العدو ، وأنهم ركنوا إلى الراحة والهدوء ، ظهرت أصوات تدعو إلى اليقظة والتعلم والوحدة وتغيير أسلوب النضال ضد العدو ، فكان الأمير خالد وابن باديس ومصالي ، وعادت الجزائر تصارع من جديد لتثبت أنها لم تخلد إلى الراحة ولم تستسلم .

وعندما اتخذ المستعمرون من 8 ماي 45 وسيلة لردع الجزائريين حتى لا يفكروا في الحرية و الانعتاق ، ظهرت المنظمة الخاصة ثم اللجنة الثورية للوحدة والعمل ثم جبهة وجيش التحرير الوطني ، وخرج العملاق من القمقم ليشهد العالم على أنه قادر على افتكاك حقه ولو من بين أقوى قوة مفترسة عندئذ وهي فرنسا المحمية بالحلف الأطلسي .
وعندما شاع التعفن والفساد والظلم قبل أكتوبر 88 وخرجت الأمور عن المعقول وعن القانون ، حدثت الأحداث التي تجاوزت توقعات المتوقعين ، حتى وصلت حدود اللامعقول ، وكانت إنذارا للمدمنين على غيهم وطغيانهم ، وإرهاصا بعهد جديد مازلنا لم نستشف آفافة .

فمن فرسان العهد الجديد الذين سيحملون راية الجزائر خفاقة إلى القرن الواحد والعشرين؟ هل هم أبناء الشهداء والمجاهدين خميرة جبهة التحرير الأصيلة قبل أن تعفنها شهوات السلطة ويتسلط عليها المندسون والحاقدون و"الثوريون" المزيفون؟ أو هل هم هذا الشباب الإسلامي الذي يملأ المساجد والجمعيات والمدراس والجامعات ، هذا السيل الجارف الذي ذرقنه مضيئا كالشمس متشبعا بأصالة الجزائر وانتمائها ، مؤمنا بأن مستقبلها في الإسلام بالإسلام ؟ أو هل هم هؤلاء الأطفال الذين تفيض أعينهم نورا وتشتعل جباههم طموحا ، وهم يغدون ويروحون على المدرسة الأساسية أو يملأون ساحتنا العمومية بأصواتهم العذبة وحركاتهم البريئة ؟

لا أريد أن أكون متنبيا ، ولا حتى بشيرا أو نذيرا. كل ما أنا مقتنع به هو أن على الجيل الذي احتكر السلطة منذ الاستقلال أن يرحل . فإذا كان فارسا فقد أن له أن يترجل ، فإذا كان مندسا فقد حان له أن يقدم الحساب . وكل ما أنا مقتنع به أيضا هو أن هناك جيلا آخر من الشباب المتعلم والواعي لاتربطه أية روابط بصراعات حزبية قديمة ولا منازعات شخصية من رواسب عهد الثورة ، شباب يريد أن يزف الجزائر في عرس وطني عظيم ، فيداويها من الغضون والتجاعيد التي لحقت بها قبل الأوان من إهانات وإذلال جيل احتكار السلطة وليعيد لها بكارتها ونظارتها وحيوتها .
فعلى الجزائر أن تغتسل من همومها ، وأن تنزع مساحيق الذل والإهانة عن وجهها . فالفارس الشاب آت ، حاملا مهر المستقبل على هامة جواده.

منقول

 


 .
الجزائر 10 نوفمبر 1990