51243218_2025147614220588_8668227159996760064_n


لم يكن سهلاً إقناع الاستاذ عبد الحميد مهري (رحمه الله) بتولي الامانة العامة للمؤتمر القومي العربي في ربيع 1996، بعد استقالة اول أمين عام للمؤتمر هو الدكتور خير الدين حسيب (اطال الله في عمره) إثر توليه هذه المسؤولية لخمس سنوات متتالية..
كان "ابو سهيل" عازماً بعد تجربته في الامانة العامة لجبهة التحرير الوطني الجزائرية ان يبقى بعيداً عن الأضواء، مفضلاً العمل بهدوء لخدمة وطنه الجزائر الذي كان يعيش "العشرية السوداء"، وللدفاع عن حقوق الامة العربية والاسلامية...
لكن ما ساعدنا على اقناعه يومذاك في بيروت حيث كان المؤتمر، هو ان العدوان الصهيوني على لبنان المعروف "بعناقيد الغضب" كان قد بدأ في اليوم التالي لانعقاد الدورة السادسة للمؤتمر في 11 نيسان 1996... فشعر ابن الثورة الجزائرية بوطأة التحدي. ووافق على انتخابه بالاجماع أميناً عاماً للمؤتمر الذي يطمح ان يكون مرجعية للعمل القومي، والذي يضم المئات من أبرز شخصيات الامة آنذاك، وفي زمن تصاعدت فيه الدعوات للتطبيع وعقد مؤتمراته المعروفة باسم "مؤتمر الشرق اوسط وشمال افريقيا" الذي كان ينعقد سنويا في عواصم عربية ويحضره رئيس وزراء الكيان الصهيوني شيمون بيريز مستفيداً من وجود معاهدات صلح وسلام مع العدو بدأت عام 1979 مع كمب ديفيد لتتواصل عام 1993 مع اتفاقية اوسلو الى عام 1994 مع اتفاقية وادي عربة، مروراً بمؤتمر " قمة صانعي السلام " في شرم الشيخ الذي انعقد في المنتجع المصري في آذار\مارس عام 1996 بحضور الرئيسين الامريكي (كلينتون) والروسي (يلتسين) والفرنسي (شيراك) والعديد من قادة المنطقة والعالم بمافيهم شيمون بيريز رئيس حكومة الكيان الصهيوني وهو المؤتمر الذي أُعتبر يومها " قمة الحرب على الارهاب" وكانت باكورة "انجازاته" الحرب على لبنان بعد 4 اسابيع ومجزرة قانا الأولى بهدف الاجهاز على المقاومة فيه...
لم تكن كثيرة آنذاك الاصوات العربية في مواجهة التطبيع والدفاع عن المقاومة، لذلك كان المؤتمر القومي العربي، ومعه المؤتمر القومي / الاسلامي، وبعدهما المؤتمر العام للاحزاب العربية، اضافة الى مؤتمر القوى الشعبية في بغداد، وملتقى الحوار الثوري الديمقراطي في طرابلس الغرب هي المنابر شبه الوحيدة العابرة للحدود والمناهضة للتطبيع والداعمة للمقاومة... والرافضة يومها للحصار الجائر على العراق (1991-2003) وصولا الى الحرب الامريكية – الاطلسية لاحتلال العراق عام 2003,,,
في ظل الحرب على لبنان، والتطبيع مع الكيان الغاصب، والحصار على العراق، لم يكن سهلا لعبد الحميد مهري ان يعتذر عن المسؤولية ( ففي المؤتمر القومي العربي الامانة العامة تكليف لا تشريف، مسؤولية لا امتيازات)... بل شعر ان في موافقته على اجماع المؤتمرين على انتخابه انخراطاً منه في معركة مع اعداء الامة لم تتوقف....
في تجربته في الامانة العامة للمؤتمر القومي العربي، كما في غيرها، كان عبد الحميد مهري يستحضر كل ما في جعبته من تجربة نضالية غنية، وحكمة سياسية عميقة، وقدرة عالية على قراءة المشهد السياسي العربي والاقليمي والعالمي بدقة متناهية.
فكان يضع هذه الخبرة الثورية والتفاوضية برسم الاخوة الفلسطينيين محذراً اياهم من مغبة التنازل عن اوراق القوة التي يمتلكون قبل الشروع بأي مفاوضات تؤدي الى الاستقلال، وكان يضع كل ما يمتلكه من حكمة ونضج سياسي بتصرف القيمين على العمل العربي، الشعبي والرسمي، من اجل رفع راية المشروع النهضوي العربي الذي كان يعدّه مع العشرات من المفكرين والمثقفين الممارسين العرب، من مختلف المنابت الايديولوجية، باشراف مركز دراسات الوحدة العربية..
كان عبد الحميد مهري خلال تجربته في المؤتمر القومي العربي مسكونا بأمور ثلاثة، اولها ان يكون جسرا بين مشرق الوطن العربي ومغربه، تماماً كما كان يوم انتدبته الثورة الجزائرية ممثلا لها في المشرق العربي، وثانيها ان يكون جسراً بين الجزائر والمغرب لتجاوز كل ما يعترض العلاقة بين البلدين الشقيقين من عوائق مذكراً بوحدة الهوية والنضال بين شعبين خاضا معاً معركة الاستقلال عن "الحماية" والاستعمار الفرنسي...
اما الأمر الثالث الذي كان يسكن فكر المناضل الكبير وقلبه وعقله فهو رسم المعادلة الدقيقة بين الوطنية الجزائرية والعروبة التحررية، بل بين الاثنتين معاً وبين الاسلام المستنير السمح المحصّن ضد كل المحاولات المشبوهة لاختراقه...
لذلك حرص مهري منذ تسلمه الامانة العامة للمؤتمر القومي أن يسعى مع نائبه آنذاك المناضل العراقي ضياء الفلكي، ومع رفيق عمره المناضل المغربي الكبير الفقيه محمد البصري (رحمه الله) لعقد الدورة السابعة للمؤتمر (1997) في الدار البيضاء، وان يحضرها رموز وطنية وثورية جزائرية وفي مقدمهم الرئيس الراحل احمد بن بله في تأكيد على عمق العلاقة بين الشعبين، وبين المناضلين في البلدين.
كما حرص ايضا ان ينعقد المؤتمر القومي العربي في دورته العاشرة عام 2000 في الجزائر مساهمة عربية في دعم مسيرة الوئام الذي اختطتها الجزائر للخروج من العشرية الدامية مع الرئيس عبد العزيز بوتفليفة.
كان التوازن بين الهم الوطني والهم القومي عند عبد الحميد مهري وسائر رفاقه في الحركة القومية العربية المعاصرة، شرطاً لانتصار الوطن والامة معاً، وتأكيداً على ان وطنية لا تدرك أهمية بعدها العربي والاسلامي هي "وطنية الأفق المحدود والمسدود" وان عروبة لا تحترم الخصائص الوطنية للاقطار مصيرها التبدد والانكفاء والضياع – وان الوطنية والعروبة دون عمقهما الروحي والحضاري المتمثل بالاسلام، هويتان لا جذور لهما ولا تراث.
بالطبع كان لمهري مزايا عديدة أخرى، ابرزها تلك الاخلاقية العالية التي كان يتعامل بها مع الاخرين، افكاراً واشخاصاً، وتلك القدرة الهائلة على استيعاب التناقضات وايجاد الصيغ المناسبة لتحويلها الى عناصر غنى وقوة في مشروع الوطن والامة، بل من ابرز مزاياه ذلك الهدوء الاستثنائي في مواجهة كل ما يعترضه من عقبات وهو هدوء يعكس سلاما داخليا وثقة بالنفس لا يملكها كثيرون.
بل من مزاياه الكثيرة كذلك هي روح الشباب التي كان يتحلى بها، حتى ساعات رحيله الاخيرة. ويروي العديد من الشباب المشارك في مخيم الشباب القومي العربي، في الجزائر عام 2006، كيف كان القائد الكبير يحرص على الحضور يومياً الى المخيم وعلى الحوار الطويل والعميق مع الشباب القادمين من معظم الأقطار العربية..
لكنني ما زلت اعتقد ان المزية الاكبر في شخصية هذا القائد الجزائري العربي المسلم هو انه يجمع في سلوكه بين صلابة مبدئية حاسمة، وبين مرونة سياسية راقية، فيفاجئك وهو الهادئ الطبع والديبلوماسي الاداء، بقوة موقفه في كل لحظة تبرز امامه تحديات تتعلق بالديمقراطية أو تمس الاستقلال الوطني او القومي...
وان أنسى لا أنسى، وفي آخر دورات المؤتمر القومي العربي (الدورة 21) التي حضرها الاستاذ مهري قبل وفاته والتي انعقدت في بيروت في حزيران/يونيو 2011، كيف كان أبو سهيل مستبشراً بالصحوة الجماهيرية في مصر وبعض اقطار الأمة، ولكنه كان بالقدر ذاته حذراً من الاختراقات المشبوهة للتحركات المشروعة وحرفها عن أهدافها الحقيقية وتحويلها الى فتن وخراب ودمار واقتتال وإرهاب...
وما زلت أذكر كيف جاء إليّ وقد قدمت ورقة الى المؤتمر القومي - الإسلامي في نيسان 2011، اتحدث فيها عن "استعصاءات ومخاطر" تواجه الحراك الشعبي العربي محذراً من محاولة تجويفه واستخدامه لاغراض معادية لاهدافه ولمصالح الامة.. ليقول لي: "احسنت في تشخصيك وتحذيرك.. فلقد مررنا في الجزائر بتجربة مماثلة... وهناك من يهددنا اليوم "بإعادتنا الى المربع الاول.." مشيراً الى تهديدات مندوب قطر لمندوب الجزائر يومها في اجتماعات وزراء الخارجية العرب يوم اعترضت الجزائر على تعليق عضوية سورية في الجامعة.
رحم الله عبد الحميد مهري، فقد كان حكيماً في زمن اللامعقول، مستقلا في زمن الارتهان، شجاعاً في زمن الاستخذاء،
وحدوياَ في زمن التشرذم، متمرداً في زمن الانصياع للاملاءات الاستعمارية...

(مقالة "لصوت الاحرار" الناطقة باسم جبهة التحرير الوطني الجزائرية بمناسبة الذكرى 12 لرحيل عبد الحميد مهري)

26/1/2019