21 août 2021
مفهوم القومية العربية لدى الشيخ محمد البشير الإبراهيمي, إبراهيم حرشاوي– طلقة تنوير

أصبح من المألوف ربط فكرة القومية العربية بصيغتها المعاصرة بالمشرق العربي بشكلٍ تلقائيٍ، وتحديداً بمثقفي بلاد الشام، مما جعل روّاد الفكرة في باقي أقاليم الوطن العربي في عتمة النسيان مهما كان دورهم الفكري أوالسياسي. ومما لا شكّ فيه أن السبب يرجع إلى بواكر الفترة القومية العربية التي ترابطت مع سياسة التتريك في غضون ما عرف بمرحلة "التنظيمات العثمانية" أو مرحلة "الإصلاحات" المستوحاة من التجربة الأوروبية بتاريخ الدولة العثمانية. ولذلك يمكن تسمية فترة انبثاق الفكرة القومية العربية المعاصرة مشرقياً "باللحظة العثمانية"، إذ خرجت وقتذاك إلى العلن كطرحٍ يسعى إلى وحدة ويقظة العرب الهوياتية، ومن ذلك الاهتمام الواسع بقضايا اللغة والتاريخ. أما مغاربياً، فلم تتبلور الفكرة القومية العربية حتى دقّ الاستعمار الأوروبي أوتاده، إذ لم تكن لدى المغاربة ردة فعل أو حساسية إزاء الأتراك والتتريك على غرار المشرق في ميدان الفكر والثقافة خلال فترة "التنظيمات العثمانية" والفترة التي تلتها، مع العلم أن العلاقة العثمانية-المغاربية شهدت تشنجات واضحة بين الفينة والأخرى، ونذكر على سبيل المثال انتفاضة غومة المحمودي بطرابلس الغرب منتصف القرن التاسع عشر ومعركة وادي اللبن سنة 1558 التي انهزم فيها الجيش العثماني شر هزيمة أمام الدولة السعدية بالمغرب. ولعل سبب ذلك يعود للخطر الأوروبي الماثل في القرن التاسع عشر أساساً، لا سيما أن الجزائر وقعت تحت الاستعمار الفرنسي عام 1830، أي قبل بدء مرحلة "التنظيمات العثمانية" بتسع سنوات، تلك التنظيمات التي كان الحافز للقيام بها الشعور بالنقص والدونية العثمانية إزاء الانتصارات الساحقة التي حققها إبراهيم محمد علي باشا على الدولة العثمانية، أساساً بسبب تبنيه لإصلاحات حداثية مدنية وعسكرية في مصر والأقطار العربية التي بسط محمد علي سلطته عليها.
وعليه، فإن غياب السبب التركي-الطوراني على شاكلة المشرق ساهم في ظهورالفكرة القومية العربية بالبلاد المغاربية في لحظة التحرر الوطني من الاستعمار الغربي والفترة الممهدة لها بصورةٍ مختلفة عن المشرق ربطت عضوياً بين العروبة والإسلام منذ اللحظة الأولى في مواجهة الخطر الغربي، حيث ظهرت كوكبة من الإصلاحيين والمناضلين قاموا بإضفاء صبغة مغاربية للقومية العربية ضمن سياق المرحلة، وقد استطاعوا دمجها في المشروع الوطني والاستقلالي كمبدأ هوياتي وسياسي خارج إطار الحزب العقائدي، أو بمعنى أدق، بدون هيكلة الفكرة القومية العربية بصيغة حزبية أسوة ببعض الأحزاب المشرقية التي قامت على أساس قومي عربي محض أساساً لأن الشعار الإسلاموي العثماني كان مجرد ذريعة لاحتلال أراضي العرب، تماماً كما هو اليوم.
وقد يعترض البعض بهذا الخصوص بالقول: ماذا عن الأحزاب البعثية والناصرية التي ظهرت بالفضاء السياسي المغاربي؟ لم تكن هذه الأحزاب نبتة من نبتات التربة السياسية المغاربية، بل فروعاً لأحزابٍ مراكزها في المشرق العربي. وفي ضوء ذلك، يمكن قراءة ظاهرة الطرح العروبي والقومي لقامة مغاربية كالشيخ البشير الإبراهيمي، كطرحٍ نابعٍ من سياقه ومنبته، مع التأكيد أن ثمة رابطاً جوهرياً للفكرة القومية العربية تمثلها المبادئ والمنطلقات السامية والأفكار الرائجة مشرقاً ومغرباً، والصدى المغاربي للأحزاب القومية العربية المشرقية يعبر في النهاية عن عمق الروابط القومية بين أجزاء الأمة العربية.
أما بخصوص شخصية البشير الإبراهيمي، فيمكن تصنيفه من بين الشخصيات التقليدية التي لعبت دوراً محورياً في الدعوة الإصلاحية وتأسيس الوعي الوطني والقومي الحديث بالجزائر والمغرب العربي. ويعود تصنيفه كتقليديٍ بناءً على البيئة الأسرية والتأطيرية التي ترعرع فيها منذ ولادته سنة 1889 بنواحي مدينة سطيف. إذ كبر وسط عائلة ذائعة الصيت، توارث أفرادها العلوم الدينية، ما جعله يسلك المسلك ذاته، حيث التحق بوالده الذي كان قد استقر بالمدينة المنورة، وواصل تعليمه هناك لمدة خمس سنوات، وتتلمذ فيها على يد مجموعة من الفقهاء كالشيخ "الوزير العزيز التونسي" والشيخ "محمد عبد الله الشنقيظي".وبعد ثورة الشريف حسين، تم ترحيله مع مجموعة مقيمة بالمدينة إلى دمشق بسبب معارضتهم لتلك الثورة.
كانت فترة الإقامة في المدينة المنورة من الفترات الفاصلة في مسار البشير الإبراهيمي. ففيها وجد الشاب القادم من قرية "أولاد إبراهيم"فضاءً رحباً لتوسيع مداركه والانفتاح على المشرق العربي. وتدارس خلال تلك السنوات أوضاع الأمة العربية مع الشيخ عبد الحميد بن باديس(1889-1940) الذي التقى به بالمدينة المنورة سنة 1913، حيث خططا معاً للنهوض بالجزائر المحتلة وإعادتها إلى أحضان العروبة والإسلام بالمقاومة الثقافية تحت مظلة "جمعية العلماء المسلمين بالجزائر" التي تأسست سنة 1931 وقاداها لتكون متراساً لهذه المعركة. ويعد ابن باديس بدوره أحد رموز الحركة الاستقلالية والإصلاحية بالجزائر، وقد عززت أصوله الأمازيغية من مصداقية طرحه حول عروبة الجزائر، حيث أن امتزاجهم بالعروبة القديمة، المؤصلة في انتساب البرير لليمن، سابقٌ لامتزاجهم في المصاهرة والعقيدة.
قبل الخوض في أهم محاور الفكرة القومية العربية لدى البشير الإبراهيمي، تجدر الإشارة إلى أن الإطار الأيديولوجي العام "لجمعية العلماء المسلمين بالجزائر" يمكن تصنيفه ضمن التصور الديني للقومية العربية. هذا المفهوم الديني للقومية الذي يربط تمام الربط بين العروبة والإسلام، بمعنى أن العروبة وعاء حضاري تستمد شرعيتها من لغة القرآن، وأن اللغة العربية تصبح بحكم هذه الشرعية بوتقة ثقافية قادرة على صهر جميع الأجناس والجماعات اللغوية التي أسلمت. ويسلط ابن باديس الضوء على هذا التلازم بين العروبة والإسلام في مقالة نشرها في ذكرى المولد النبوي لسنة 1936 تحت عنوان "محمد رجل القومية العربية" يصففيه الرسول محمد(ص) كالآتي: هذا هو رسول الإنسانية ورجل القومية العربية...هذا هو رسول الإنسانية ورجل الأمة العربية الذي نهتدي بهديه ونخدم القومية العربية".وعلى العكس من رؤية الحركات الإحيائية المتزمتة كحركة الإخوان المسلمين، التي تعتبر التاريخ العربي قبل الإسلام "كفراً وجاهلية"، فإن ابن باديس يتخذ موقفاً متوازناً، معتبراً أن القرآن رغم ذكره لقبائح المجتمع العربي قبل الإسلام، إلا أنه لمّع الحضارة العربية القديمة، خاصة مع عاد وثمود وإرم ذات العماد، ومملكة سبأ. ويضيف ابن باديس في هذا الجانب: "الحقيقة التي يجب أن أذيعها في هذا الموقف هي أن القرآن وحده هو الذي أنصف العرب. والناس، بعد نزول القرآن، قصروا في نظرتهم التاريخية إلى العرب، فنشأ ذلك التخيل الجائر عن القصد".
وليس من محض الصدف أن يؤسس مؤرخ "جمعية العلماء المسلمين بالجزائر" أحمد توفيق المدني علمياً للتاريخ الجزائري قبل الإسلام، لاسيما في كتابيه "كتاب الجزائر" و"قرطاجنة في أربعة عصور"، حيث تطرق فيهما للأصول الكنعانية للبربر، مؤكداً بذلك علاقة الشعب الجزائري بالمشرق قديماً وحديثاً. ولم يقتصر المدني على كتابة التاريخ القديم للجزائر، بل وظفه في الكتابة المسرحية مثل "مسرحية حنبعل" التي روى فيها ملحمة زعيم قرطاج ونهايتها. ومما لا شك فيه، أن هذه المقاربة لتاريخ الهوية العربية للجزائر لدى نخبة هذه الجمعية تدل على إدراك عميق لأهمية ربط العروبة القديمة بالعروبة الحديثة كرد على مزاعم الاستعمار الفرنسي الذي حاول أن ينصب نفسه وريثاً للعهد الروماني.
وكما لا يخفى على كل من له دراية بالتركيبة القبلية واللهجاتية بالمغرب العربي، فإن الجزائر كانت أول حقل تجارب للاستعمار الفرنسي حاول فيها تفرقة الشعب على أساس عربي-بربري. وقد كانت أول خطوة في هذا الاتجاه المرسوم الذي تم إصداره سنة 1859 لعزل البربر عن غيرهم في الاحتكام إلى الشريعة الإسلامية، وهي خطوة ستحصل لاحقاً بالمغرب مع صدور قانون "الظهير البربري" سنة 1930. وقد اتبع الاستعمار الفرنسي شتى الوسائل والطرق لتنصير البربر وفرنستهم كما هو معلوم، مما جعل مثقفي "جمعية العلماء المسلمين بالجزائر" يلتجئون لخطابٍ يفند سردية المستعمر، إذ حاول الإبراهيمي مثلاً إبراز دور الدول التي عرفها بالمغرب العربي منذ الفتح الإسلامي في ترسيخ الهوية العربية بالرغم من انتساب العائلات الحاكمة لسلالات بربرية، مبرهناً بذلك على أن الهوية العربية لمقومات الدولة، من حيث أجهزتها وثقافتها كالغناء والموسيقى والأدب والتعليم، جنبت حدوث أي تناقض بالتركيبة الهوياتية للمنطقة. وبناءً على هذا الموقف، يرى الإبراهيمي أن المغرب العربي يشكل جزءاً لا يتجزأ من الوطن العربي، وأن الميول نحو التفرقة يرجع إلى سببين يتمثل أولهما بحسب الإبراهيمي في أمزجة العرب إبان عصور الانحطاط التي مالت نحو العصبية العرقية والقبلية، أما السبب الثاني فأفرزه الغزو الفكري والثقافي الغربي، الذي نقل أفكاراً تدعو للتفرقة وتفتعل قضايا مزيفةً لتعميق التفرقة وضرب أسس التجانس الاجتماعي.
أما بخصوص الطرح الوحدوي، فيمكن وضع البشير الإبراهيمي في خانة دعاة الوحدة الاتحادية أو الفدرالية نتيجة لاعترافه بوجود دولٍ عربيةٍ مستقلةٍ بذاتها. ويوضح أن ما يجمع هذه "الدول المستقلة بذاتها" هي رابطة القومية التي تتجاوز حدود تلك الأقطار المتفرقة. ويضيف الإبراهيمي في هذا الصدد أن كل القضايا العربية هي قضايا مشتركة لا تتجزأ، معبراً بذلك عن وجوب وقوف العرب مع الحق الجزائري مثلاً، بصفتها قضية لا يمكن حلها بمنطقٍ قطريٍ. وبالنسبة للمراحل التي ينبغي تخطيها، يقول الإبراهيمي إن من الضروري إزالة أسباب التنافر بين الشعب العربي في الميدان الثقافي-الفكري والاتصال بالعصر من خلال تكوين رأي عام عربي ناضج، لأنه لاحظ أن كثيراً من المناطق العربية لم يتكوّن فيها رأي عام حقيقي، وأنها ما تزال ترزح تحت سيطرة الزعامات المحلية التي تمثل التذرير والتفكك. وعليه، يبدو أن الإبراهيمي كان يكن الاهتمام للوضع المرتبك والهش اجتماعياً مما يوحي أنه كان يروّج للفكرة الوحدوية والتحررية انطلاقاً من القواعد التي ينبغي تأطيرها وتقويتها.
وقد تبنى الإبراهيمي فكرة مشابهة لفكرة "الإقليم القاعدة"،أو فكرة "الزعيمة الطبيعية"، على حد تعبير ساطع الحصري، بعدما اعتبر مصر أكثر الأقطار المؤهلة لقيادة وحدة العرب كونها أكثر قدرةً من غيرها من الأقطار العربية والإسلامية على تأدية مثل هذه المهمة. وينبع موقفه هذا من الدور المصري بعصر النهضة والحقبة الناصرية في لم شمل العرب وانتهاج سياسية عربية وحدوية، بالإضافة إلى وزنها الديموغرافي وموقعها الجغرافي الذي جعلها في قلب البلاد العربية الإفريقية والآسيوية. ولهذا السبب كان من ضمن النخبة القومية العربية التي سارعت إلى إرسال برقية تهنئة لعبد الناصر والقوتلي بمناسبة إعلان الوحدة المصرية – السورية في شباط/فبراير1958. وقد جاء في برقية الإبراهيمي بخصوص الوحدة المصرية-السورية ما يلي: "إن وحدة العرب هي الأصل والقاعدة وماسواهما شذوذ وانحراف...فباسم الإسلام وباسم العروبة أهنئكم بنجاح مساعيكم الصادقة في الخطوة الأولى بتوحيد العرب، من أثر التفرق والاختلاف، وسيكون لحاق المتخلّفين بها عملاً صالحاً كلّه، فيا بشرى للسابقين".يُستشف من ذلك أنه كان ينظر إلى الوحدة العربية كمبدأ سياسيٍ لا مفر منه، خصوصاً إذا أبرزنا البعد المناهض للاستعمار كدافعٍ رئيسيٍ لدى الإبراهيمي لدعوته الوحدوية، بحكم إيمانه المطلق بأن غياب الوحدة يمثل سبباً مباشراً لفرض الهيمنة الاستعمارية على الوطن العربي، وكانت الجزائر وقت الوحدة المصرية-السورية ما تزال تحت الاحتلال الفرنسي.
إلى جانب الوحدة العربية وعروبة شمال إفريقيا، تعتبر قضية التعريب من أهم المواضيع القومية التي عالجها البشير الإبراهيمي. يتميّزمفهوم التعريب في السياق الجزائري، ولدى جمعية علماء المسلمين بشموليته بسبب ما تعرضت له اللغة العربية من تنكيل في المغرب العربي على يد الاستعمار الفرنسي. ويرى الإبراهيمي التعريب شرطاً لتحقيق الوحدة العربية الاجتماعية، انطلاقاً من مسلمة مفادها أن الأدب العربي همزة وصلٍ بين العرب عبر العصور، وبأن عملية تعريب كل مناحي الحياة في المجتمع العربي تتم بدءاً بالألسنة والأفكار وانتهاءً بأساليب العيش والأسرة وهيئات الأكل والشرب. وكان يؤمن بأن هذه العملية تقع على عاتق المدرسة الوطنية ولذلك جعلت الجمعية على رأس أولوياتها توفير التعليم الوطني بالجزائر عن طريق تأسيس 150 مدرسة حرة.
وهكذا يتضح أن جمعية العلماء المسلمين بالجزائر التي تأسست سنة 1931 كانت في جوهرها رد فعل ثقافي ضد توغل الاستعمار الفرنسي في مفاصل البلاد الثقافية والوجدانية، وأنها نجحت نتيجة للمجهود الفكري لروادها، وفي مقدمتهم الشيخ الإبراهيمي والشيخ بن باديس والمؤرخ أحمد توفيق المدني في خلق مدرسة فكرية وسياسية جمعت بين الإسلام والقومية العربية والوطنية الجزائرية. فمن المتعارف عليه، نظرياً على الأقل، أن الاستقلال السياسي لا يكتمل، إلا بالاستقلال الثقافي ووحدة الأمة واستعادة الذات العربية، إلا أنّ التحليل المنصف لا يملك غير الإشادة بما تم إنجازه على هذا الصعيد من قبل طليعة استثنائية رسمت الطريق نحو ثورة الفاتح من نوفمبر الخالدة.
مراجع:
د.بشير فايد، الإمام محمد البشير الإبراهيمي داعية الوحدة العربية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2013.
د.محمد عمارة، الشيخ البشير الإبراهيمي: إمام في مدرسة الأئمة.القاهرة: دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة،2011.
د.عبد العزيز فيلالي،د.أحمد صاري، د.الطاهر بوناني، البيت الباديسي: مسيرة علم ودين وسياسة. الجزائر: دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع، 2012.
د.عبد الإله بلقزيز(إشراف)، الثقافة العربية في القرن العشرين: حصيلة أولية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2013.
محمد جمال باروت(إشراف)، الأحزاب والحركات القومية في الوطن العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2012.
Publicité
Commentaires