Mehri 1

 

1 - رافقتم الفقيد عبد الحميد مهري منذ سنوات في النضال القومي العربي والدفاع عن قضايا الأمة، وكيف كان مهري الثائر والمهموم بقضايا الأمة العربية؟.

جمعتني بالراحل الكبير الأستاذ عبد الحميد مهري في البداية دورات المؤتمر القومي العربي في بداية التسعينات من القرن الماضي، بعد أن كان اسمه يتردد على مسامعي عبر العديد من معارفه الذين واكبوا نضاله في صفوف الثورة الجزائرية، والذين عرفوا دوره ومكانته في مصر والمشرق العربي يوم عمل ممثلاً لجبهة التحرير الوطني الجزائري في العديد من الدول العربية فاستحق إعجاب وتقدير كل من عرفه أو عمل معه.

أما في المؤتمر القومي العربي وفي دوراته المتتالية التي حضر معظمها، والتي انتخب فيها مرتان أميناً عاماً للمؤتمر ما بين 1996 – 2000، فقد حرص على قيادة المؤتمر في مراحل عصيبة من حياة الأمة واضعاً خبرته الثمينة وتجربته الغنية في خدمة كل القضايا القومية، وفي مقدمتها قضية فلسطين وقضية العراق وقضايا الحريات والديمقراطية والتعددية السياسية.

ولقد كان للراحل الكبير الفضل الأكبر في توفير ظروف انعقاد المؤتمر العاشر (2000)، والسادس عشر (2005)، في الجزائر بسبب ما كان يتمتع به من مكانة داخل بلده، وكان حريصاً أن يحضر أعمال المؤتمر حشد كبير من الشخصيات الجزائرية من مختلف ألوان الطيف السياسي الجزائري، وفي مقدمهم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي ألقى كلمة في افتتاح المؤتمرين.

وكان الراحل الكبير أحد مؤسسي المؤتمر القومي – الإسلامي كمحاولة لبناء كتلة تاريخية تتصدى للتحديات الكبرى التي تواجهها الأمة، وللتلاقي حول المشروع النهضوي العربي الذي أطلقه مركز دراسات الوحدة العربية، وقد كان مهري أحد أعضاء مجلس أمنائه.

وفي الملتقيات العربية الدولية التي انعقدت حول عناوين القضية الفلسطينية (القدس، حق العودة، الجولان، دعم المقاومة، نصرة الأسرى في سجون الاحتلال)، كان الراحل الكبير في طليعة من لبى دعوات المركز العربي الدولي للتواصل والتضامن (وكان مهري أحد أعضاء هيئته التوجيهية) إلى هذه الملتقيات، ليطلق خلالها رؤاه ومواقفه.

2 – ما هو أهم موقف ما زلتم تذكرونه للفقيد؟

كان عبد الحميد مهري رجل مواقف بكل ما في الكلمة من معنى، سواء داخل الجزائر أو على مستوى الأمة، لذلك من الصعب الحديث عن موقف أكثر أهمية من الموقف الآخر.

ولقد تميّزت مواقفه كلها بالشجاعة والجرأة والرصانة والثبات على المبادئ، فكان نصيراً للتحول الديمقراطي في بلده دون مساومة، وكان نصير ثابتاً للحق الفلسطيني الكامل دون تنازل، وكان مدافعاً عن الشعب العراقي ضد الحصار والاحتلال غير راضخ لأي ضغوط، وكان نصيراً للبنان في رفضه للحرب الأهلية، وكان رائداً في الدعوة إلى وحدة المغرب العربي ووحدة الأمة العربية.

3 – ماذا تستذكرون عن آخر لقاء جمعكم بالراحل؟

آخر لقاء جمعنا بالراحل الكبير كان في أواخر أيار/ماي 2011، حين حضر إلى بيروت للمشاركة في الدورة الثانية والعشرين للمؤتمر القومي العربي، حيث كانت له مساهمة مميّزة في مشروع متكامل لتقييم تجربة المؤتمر بعد 22 عاماً على تأسيسه، كما كانت له رؤى ناضجة تجاه ما تشهده المنطقة من تحولات، كان مهري ينتظرها منذ زمن طويل، نظراً لإيمانه العميق بحق الشعوب في رسم مصيرها، غير أنه كان يحذّر من محاولات اختراقها والالتفاف عليها وتجويفها على يد أعداء الأمة.

وفي هذا الصدد أذكر له كلمة شهيرة: ما دخل المستعمرون بلداً إلاّ وأفسده ودمره، وذلك في رفض صريح لكل أشكال التدخل الأجنبي دون أن يدعو دائماً إلى إغلاق كل الثغرات التي يمكن النفاذ منها.

وفي تلك الرحلة في بيروت شارك مهري في الاجتماع التحضيري لملتقى مناهضة التمييز العنصري الصهيوني الذي انطلقت الدعوة إليه من قصر الصنوبر في الجزائر، حيث انعقد الملتقى العربي الدولي لنصرة الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال، بمبادرة من المركز العربي الدولي للتواصل والتضامن وجبهة التحرير الوطني الجزائرية، وكان مهري أيضاً أحد أبرز المشاركين فيه.

في ذاك الاجتماع الذي شارك فيه أكثر من 80 شخصية عربية ودولية كان لأبي سهيل مداخلات هامة حاول من خلالها نقل تجربة الثورة الجزائرية إلى الثورة الفلسطينية، لاسيّما في مجال انتزاع مقعد لفلسطين في الأمم المتحدة.

4 – ماذا تتذكرون عن الراحل السياسي الوطني صاحب القيم والمبادئ أم المدافع الشرس عن القومية العربية؟

كان عبد الحميد مهري في دفاعه عن هوية أمته العربية والإسلامية صاحب قيم ومبادئ، تماماً كما قاده دفاعه عن القيم والمبادئ إلى أن يكون أحد أبرز المدافعين عن العروبة والإسلام داخل الجزائر وعلى مستوى الأمة.

ولم يكن مهري في ذلك كله رومانسياً أو حالماً، أو مشدوداً إلى التاريخ فحسب، بل كان واقعياً إلى أبعد الحدود، لا يرى مستقبلاً لوطنه الجزائر إلاّ من خلال دور متميّز له في قضايا الأمة، تماماً كما كان يدرك جيداً أن انتصار ثورة الجزائر العظيمة كان في أحد جوانبه نتيجة لوقفة الأمة العربية والإسلامية كلها إلى جانب تلك الثورة، ولقد سمعت منه مراراً قوله "إن ما يميّز ثورة الفاتح من نوفمبر 1954، عن غيرها من ثورات الجزائريين العظيمة، ما سهّل انتصارها، هو أنها انطلقت في مناخ عربي مختلف فساهمت مع ثورة عبد الناصر في مصر وحركة البعث في المشرق في إطلاق المدّ القومي العربي في أواسط الخمسينات والستينات من القرن الماضي، كما أسهم ذلك المدّ بدعمها وتوفير أسباب انتصارها.

وكان مهري مؤمناً أن تنمية أي بلد عربي مرتبط بالتنمية العربية الشاملة، وأمن أي قطر مرتبط بالأمن القومي للأمة كلها، بل كان يدرك أن الوحدة الوطنية داخل أي قطر مرتبطة بالسياج العربي والإسلامي الذي يحيط بذلك القطر.

5 – يعتبر عبد الحميد مهري من الشخصيات العربية التي أمضت جزءاً من عمرها في الدفاع عن القضية الفلسطينية، ما تعليقكم؟

كان عبد الحميد مهري من أبرز المناضلين من أجل الحرية ليس في الجزائر وحدها، بل في كل أصقاع الدنيا، فكيف إذا كان الأمر متعلقاً بفلسطين بكل ما ترمز إليه من دلالات ومعانٍ.

لقد كان للراحل الكبير مساهمات بالغة الأهمية عبر مقالات ورسائل ومحاضرات حول القضية الفلسطينية وتطوراتها، لاسيّما بعد دخولها مرحلة التسويات السياسية، فقد كان يدّرك أن لكل نضال أو ثورة جانبها السياسي والدبلوماسي، ولكنه كان يدعو إلى إخضاع هذا الجانب لمتطلبات الثورة وأهدافها لا العكس، واضعاً تجربة الثورة الجزائرية في هذا المضمار أمام القادة الفلسطينيين الذين كانت تربطه بهم علاقات وثيقة منذ أن احتضنت الجزائر بعد الاستقلال أول مكتب لحركة فتح قبيل انطلاقتها في 1/1/1965.

أما في مؤسسة القدس الدولية التي أسسناها معاً في مطلع عام 2002 في بيروت، فقد كان عضواً في مجلس أمنائها، وأول رئيس لفرعها في الجزائر، وكان يواكب أعمالها، ويطوّر إداءها، حريصاً أن تكون أطاراً لدعم القدس وأهلها، وصون مقدساتها كما تكون إطاراً لجمع شمل كل تيارات الأمة حول هدف جليل.

6 – لازمت النظرة الوحدوية كل مراحل تطور هذه الشخصية البارزة، كان من الذين يحلمون بوحدة عربية ومغاربية، ما رأيكم؟.

كان عبد الحميد مهري مؤمناً أن مستقبل أمته مرهون بوحدتها، سواء كانت الوحدة على المستوى الإقليمي كما هو حال بلدان المغرب العربي، أو على المستوى العربي الشامل كما هو حال الأقطار العربية، وسواء كانت هذه الوحدة تنسيقاً أم تعاوناً، كونفدرالية أم فدرالية.

لقد كان الراحل الكبير يؤمن بقوة أن هذا العصر هو عصر التكتلات الكبرى، وأن لا مكان فيه للكيانات الصغرى التي لا تستطيع بدون سوق إقليمية مشتركة، ودفاع إقليمي مشترك، أو مشاريع اقتصادية وثقافية مشتركة أن تصون أمنها، وتحمي أوطانها وتحقق الكفاية لأبنائها.

لذلك كان مهري ذا نظرة ثاقبة، يحاكم السياسات والمواقف والإجراءات بمقياس وحدوي واضح، كما كان يدعو إلى سياسات ومواقف وإجراءات تعكس هذه النظرة الوحدوية.

من هنا كان للأستاذ عبد الحميد مهري دور بارز في العديد من الهيئات والمؤسسات ذات الطابع العربي العام، كما كان يسعى مع إخوان له لإطلاق منتدى المغرب العربي ليشكّل خطوة باتجاه الاتحاد المغاربي الذي لم يناضل مهري من أجله فحسب، بل عاش حياته متمسكاً به كروح ونهج، رافضاً كل الصراعات الجانبية.

7 – ماذا كان يقول عبد الحميد مهري عن مستقبل الأمة العربية؟

كان مهري، ككل ثائر مؤمن، متفاءلاً بأن مستقبل الأمة العربية مستقبل مشرق، رغم كل الظواهر المحبطة والمحيطة والعقبات التي تعترض مسيرة الأمة نحو تحررها وتقدمها ووحدتها.

غير أنه لم يكن يعني أبداً القفز فوق جهود فكرية وسياسية ونضالية عديدة لا بد منها للإنطلاق بمستقبل الأمة إلى الأمام، فهو كان يؤمن بأن الأمة تمتلك كل الشروط الموضوعية للانتصار على كل ما يعيق تحررها وتقدمها، لكن على الأمة وقواها الحيّة أن توفر الظروف الذاتية الموائمة للظروف الموضوعية وفي مقدمها المشروع النهضوي والكتلة التاريخية والإرادة والوعي والنضال.

8 – ماذا تقولون للأجيال الشابة التي لم تعرف مهري، عن هذا الرجل العظيم؟

لم أجد الأستاذ عبد الحميد مهري مرة سعيداً كسعادته بعد أن يكون قد التقى للتوّ بشباب الجزائر في ندوات كانت تنعقد معه في جامعات الجزائر من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، أو التقى الشباب القومي العربي الذين انعقد أكثر من مخيم من مخيماتهم على أرض الجزائر العظيمة.

كان يتحدث عن لقاءاته بالشباب، وهو الذي دخل في الثمانينات من عمره، بحماسة ولهفة تعبّر عن تقديره لوعي الشباب الذين كان يلتقي به ولا ملم به.

وأعترف اليوم، بأنني فوجئت حين زرت الجزائر قبل أيام لأودع الراحل الكبير وقد دخل غيبوبته في المستشفى العسكري، بأنه قد بلغ من العمر 86 عاماً، فكل شيء في الرجل كان يوحي بعمر أقل من ذلك بكثير، ذلك أنه كان يؤمن بأن الشباب ليس عمراً بل روحاً أيضاً، بل كان يؤمن أن البراءة وكل الفضائل الأخرى لا تشيخ، ولن أقول للأجيال الشابة سوى أن يدرسوا أكثر عبد الحميد مهري وغيره من الرجالات الكبار، ففي سيرهم عبر لا تقدر بثمن.

 

جريدة صوت الأحرار8/2/2012

 

حاورته: ليلى سالم شريف

(https://binbadis.net)