Canalblog Tous les blogs Top blogs Littérature, BD & Poésie
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU
في سبيل العروبة الحضارية - Sur le chemin de l'arabité civilisationnelle
Publicité
21 août 2021

العروبة، فكرة وهوية ... قَدَرٌ ورسالة, الدكتور خضير المرشدي

index

الحديث عن العروبة في مثل هذه الظروف التي يمر بها الوطن العربي قد يشكّل تحديّاً جدّياً ومواجهة من طراز خاص لجهات متعددة محلية وإقليمية ودولية تسعى بكافة قواها الخشنة والذكية والناعمة لطمس هذا المفهوم وشرذمته وإفراغه من محتواه القيمي والانساني ، وعندما يترجم الحديث الى عمل جاد رصين وفعل مؤثر لتحشيد الامكانات المادية والبشرية في الامة ، وتسخير الطاقات الفكرية والعلمية والثقافية لأبنائها في عملية المواجهة هذه ، فإن درجة التحدي ستكون عالية ومنسوب الصراع مع هذه القوى سيكون مرتفعاً ... من هنا تأتي أهمية وخطورة أن تكون فكرة المشروع أصيلة وعميقة ، ومعبرة بإيمان على الاصرار بالنجاح والعبور الحتمي نحو مستقبل زاخر بالارتقاء الحضاري الذي تستحقه الأمة والشعب العربي في كل دولة من دولها المجيدة ، ولعلّي لا أبالغ في التفاؤل أن ذلك سيتحقق مهما طال الزمن ومهما غلت التضحيات
 
فالعروبة المستهدفة ، هي ذلك الإيمان الراسخ والتذكّر الحي بأن الشعب العربي ، شعب واحد تجمعه اللغة والثقافة والتاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة ، وهي واقع بديهي مُعاش يفرض نفسه دون حاجة لنقاش أو نضال أو إختلاف لأنها هوية الامة ومرجعيتها الفكرية ، وهي إنتماء وقَدَرْ لشعب يضم الملايين من البشر . وإن تحدثنا عن إختلاف في الرؤى حول معنى العروبة ، وعن ضرورة النضال من اجل أن تأخذ العروبة مداها الانساني ، فإن الحديث لايجب أن يكون حول الفكرة العربية ذاتها ، إنما حول المحتوى والمضمون ، أي حول نظرية العمل التي تتبنّاها القومية العربية في كل مرحلة من مراحل التاريخ حسب الزمان والمكان والظروف .
هنا لابد من التمييز بين مفهوم القومية العربية كهوية وانتماء وفكرة وقيم انسانية خالدة وبين (( النظرية القومية )) التي تشكّل المحتوى والمضمون ... فالفكرة العربية او العروبة او القومية العربية ، بديهية في حياة العرب ، وهي قدرهم ومصدر تميزهم عن الامم والشعوب الاخرى ، وهي بذلك كالأم والاب اللذان ينقلان الجينات لأبنائهم ويمنحونهم الصفات المميزة لهم
أمّا ( النظرية القومية ) فهي المحتوى لهذه الفكرة والتعبير القابل للتطور والتجدد الدائم وفي كل حين . فالنظرية القومية تمثلت في مرحلة مابعد الحرب العالمية الثانية ببزوغ التيار القومي ، والتيار البعثي والتيار الناصري وغيرها من الحركات الوطنية التي اتخذت من العروبة مرجعية لها ، والتي كان لكل منها ستراتيجياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها والتي شكّلت محتوى ومضمون العروبة ونظرية العمل في زمانها ومكانها .
بهذا التفريق بين مفهومي القومية العربية ، وبين النظرية القومية ، نستطيع أن نركّز في خطابنا الاعلامي وفي خطنا الفكري ، إن القومية العربية تتسع لكل هذا الواقع الممتد عبر عصور التاريخ وفي كل دولة من الدول العربية ، فهي إذن تحتضن التاريخ بمنظوماته الفكرية وتتغذى به، وتؤلف من عناصره المختلفة تجربة جديدة تجمع فيها نتاجاته الثقافية ومصادره المعرفية وانجازاته الحضارية .
وفق هذه البديهية ، ليس المهم ان نركّز على المفاهيم التي تتصف بها القومية كالعنصر أو العرق أو الدم أو الدين أو التاريخ أو علاقتها بالموروث القديم ، بل إن المهم هو المحتوى والبناء المعرفي الذي يجب أن يسود في مرحلتنا الحاضرة بما يسهم في إستشراف المستقبل العربي
ان العروبة بوصفها بديهية في حياة العرب ، خالدة في ماضيهم وحاضرهم ، وتمثل رسالتهم للمستقبل ، وبكونها هوية وانتماء وثقافة وتاريخ ومصالح وارادات مشتركة وقيم انسانية ، بحاجة الى محتوى جديد يستجيب لمتطلبات الحاضر ويلّبي حاجات المستقبل . لأن الخلود لايعني إنها عروبة جامدة ومتحجرة كما يتهمها البعض من اعدائها ... انما يعني ذلك ثباتا واستمراراً للحفاظ على هوية الامة دون أن يحُدْ هذا الثبات والاستمرار من انفتاحها على مقومات التجدد والتطور والتفاعل مع مخرجات المدنية العالمية الحديثة ، وبذلك فهي عملية خلق دائم متفاعل من التجارب الانسانية الحية ومستوعباً لها ، وهذا هو العامل الذي يعطيها قوتها ويضمن لها الاستمرار والحيوية والتكامل .
إن مفهوم العروبة هذا ما يتبنّاه المعهد العالمي للتجديد العربي في مشروعه لبناء فكر عربي حديث يستلهم قيم الحضارة ويستوعب مشاكل الحاضر ويواكب التطورات العالمية في مختلف مجالات العلم والفكر والتقنية والثقافة والمعرفة
فالعروبة بهذا المفهوم العميق لايمكن لها أن تستقيم مع الاستبداد الداخلي والاصوليات المتطرفة ( السياسية أو القومية أو الدينية أو الطائفية أو القبلية أو غيرها ) . كما لايمكن لها أن تتعايش مع الاستعمار والاحتلال والنفوذ الخارجي بانماطه وأغطيته ومشاريعه المختلفة
لذ فإن الشرط الاساسي لازدهار العروبة والذي يمنحها القدرة للتعبير عن ذاتها وعن حقيقتها كمرجعية عليا للأمة ، هو أن تتحرر الامة من الظواهر والاصوليات المتطرفة ، ومن تداعيات الاحتلال والاختراق ، وأن يتوفر لها فضاء من الحرية بأنواعها ( حرية التفكير ، الانتماء ، الاعتقاد ، الرأي ، الحديث وحرية الضمير ، والممارسة الديمقراطية النابعة من حاجة الامة وإرادة المجتمع العربي ، وإحترام حقوقه وفق مبدأ المواطنة
كما لايمكن للعروبة أيضاً أن تعيش مع واقع التجزئة والتشرذم والتراجع والتردي ، لأن وحدة المجتمع العربي في دولة عربية ما أو على المستوى القومي تشكل قاعدة ذهبية للحفاظ على وحدة الانتماء للعروبة ، وتمثل العامل الضامن لصيانة الهوية والرابطة العربية دون الاخلال بالخصوصيات الوطنية لكل دولة من دول الوطن العربي الكبير
من هذه الحقائق فإن المعهد العالمي للتجديد العربي ... يعتبر ان الواقع العربي بكل منظوماته الفكرية ( السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها ) بسلبياتها وإيجابيتها هو المحتوى الراهن للعروبة ، وهو ساحة عمل المعهد في التجديد والتحديث والخلق والابداع والتفاعل مع مخرجات المدنية العالمية المعاصرة ، مما يدع المجال مفتوحاً أمام هذا الواقع بكل اتساعه، لبناء مجتمع المعرفة الذي يفضي حتماً وبالتراكم لبناء فكر عربي قائم على العلم والتقنية الحديثة والتحول الرقمي ونظام المعرفة واقتصاد المعرفة وسلطة العقل وإحكام المنطق ، ليمثل محتوى العروبة المعاصر والمستقبلي ، ولتخلع عن نفسها ثياب الماضي خاصة تلك التي لم تعد صالحة ، وتلفظ افرازاته الضارة
ولكي تحقق العروبة إرتقائها الحضاري لابد أن تكون لدى العرب الارادة والتصميم في ان يبعدوا عنها ظواهر غريبة عن طبيعتها ومفهومها كظاهرتي الظلم والعنصرية . وأن يحرصوا على أن لاتكون قوميتهم دينية، بل التركيز على حقيقتها الناصعة من إنها عروبة مؤمنة تحترم الاديان والعقائد والطقوس كافة ، وتقف مع حرية العقيدة والايمان والانتماء والاختيار ، ولن تزدري ديناً أو مذهباً أو طائفة لذاتها ... وترفض التوظيف السياسي والايديولوجي والمصلحي للدين الذي يبعده عن وظيفته الروحية ودوره الايجابي في بناء الفرد والمجتمع . كما لايجب ان يؤمن العربي بأن تكون القومية العربية ذات نظرة أحادية للتاريخ ، أي بمعنى التمجيد لتاريخهم فقط . لان العروبة لا تلغي التاريخ غير العربي، ولا تتعارض معه ، فالامة العربية اليوم وارثة لتراث حضاري إنساني غني وثري واسع يشمل شتى الحضارات التي دخلتها وتفاعلت معها عبر مراحل التاريخ كافة
بهذا العرض المختصر لمفهوم ومحتوى العروبة ، ينبغي على الاعلام العربي أن يبرز الحقائق التالية :
١- إن العروبة بديهية خالدة وذات شخصية مميزة تتصف بأنها ذو قيم إنسانية رفيعة ، وذات محتوى فكري وثقافي ومعرفي متجدد ومتطور وقادر على مواكبة حركة العالم في مختلف المجالات ، ولكي تستوعب التراث القديم المتعدد والمتنوع، وتتفاعل مع الحضارة الإنسانية، يجب ان تكون لها مثل هذه الشخصية المميّزة .
٢ - إبراز شخصية العروبة بهذا المفهوم الانساني - أي بمعنى التعايش والانسجام مع الامم الاخرى وتقدير حقها في التقدم والتجدد والحياة الحرة الكريمة - سوف يحصّنها من الانصهار في ( عالمية مائعة ومجردة ) ، ويقيها من الانتكاس والرجوع الى العصبيات الضيقة، ويحفظ شخصية الإنسان العربي ويصون الامة من الضياع في عالم المجهول ، ومن التضاؤل العنصري والفئوي الصغير ، وسوف ينقذها من خطر الاستسلام لعوامل البيئة والظروف الاجتماعية الداخلية ، ويحصّنها من مهاوي التخلي عن تاريخها وقيمها ورسالتها المشتركة مع باقي البشر
أخيراً ، إن العروبة لا تزول بإرادة من يحاول إزالتها ، لكنها لا تستمر ولا تتحقق تحققاً كاملا بدون إرادة المؤمنين بها والمتمسكين بمصالحها العليا . أي ان فيها بعض من امكانيات التفسخ والتناثر والاندثار، مثلما فيها الكثير من امكانيات الوحدة والارتقاء والتجديد
العروبة المؤمنة ليست حالة نضال مرحلية ، او شعار لمرحلة تنتهي بانتهاء دواعي النضال ، بل انها هوية ومرجعية لوطن عربي كبير يشكل العرب أكثر من ٩٠ ٪؜ من سكانه وقواه البشرية
ختاماً ، حقيقة العروبة اليوم إنها عطشى لعملية التجديد في محتواها ومضمونها وإنها متأهبة للإرتقاء الحضاري الذي لن يتحقق إلاّ بوحدة المصالح العربية العليا ، وإنسجام وتوافق الارادات المشتركة لفئات الشعب ضمن الوطن العربي الكبير مهما كان حجم وعدد هذه الفئات ، وبإحترام الخصوصيات الوطنية التي لاتتعارض اطلاقاً مع مفهوم العروبة ( المرجعية والوحدة والهوية والقدَرْ والرسالة )
إن القومية العربية الانسانية المتفتحة والمنسجمة مع نفسها ومع الاخر والمتوثبة للإنبعاث من جديد وفق قيم العصر وتطوراته، والمستندة لتشريعات وقوانين وتقاليد عمل حديثة ، ستكون هي الضامن لهذه المصالح ، والمحقق لهذه الارادات ، وفق مبدأ المواطنة العربية التي يسعى المعهد العالمي للتجديد العربي لتحقيقها كأحد أركان فكرته الملهمة ، التي يشكّل بناء مجتمع المعرفة الحديث ركنها الثاني
1er mai 2021
إفتتاحية العدد ( ١٣ ) من النشرة الرقمية التي يصدرها المعهد العالمي للتجديد العربي
Publicité
Commentaires
Présentation
Ce site, animé par le Collectif Algérie-Machreq, est consacré à la mémoire historique de la Nation arabo-musulmane, à l'intellectualité, la spiritualité, la culture, l'expérience révolutionnaire des peuples arabes. La Palestine sera à l'honneur. 


Publicité
Newsletter
Publicité
Visiteurs
Depuis la création 478 272
Publicité
Publicité